بسم الله الرحمان الرحيم
الماء: المادة التي لا يملكها البشر
water can not be an own property
مقدمة
اقترن الماء بالحياة، حياة كل المخلوقات من نبات وحيوان جراثيم ومتعضيات وحياة السمك والحيتان في البحر والأنهار، حياة كل شيء حي. واقترن الماء بالجمال والطمأنينة والراحة، فالبحر يسلي ويجلب إليه الناس، ومراقبة حركته تجعل الإنسان يسبح في الخيال، وينعم بهذا المنظر الجميل، والنهر يسلي ويجلب كذلك الناس إليه، للمتعة والاستحمام، وقضاء وقت جميل، ويجلس الناس على ضفته، يراقبون مروره ورحيله وهو باق أمامهم، وجمالية لا يقدر عليها إلا الذي قدر كل شيء تقديرا. والعين الجارية كذلك لما تتدفق ماءا عذبا رقراقا، يدخل بمنظره السرور على النفس، ويثير إليه الأنظار، وفيها جمال وسعادة، والشلال كذلك لما يسقط الماء من أعلى جبل أو تل، فيحدث صوتا، ويرسم منظرا، يجعل السعيد من الناس هو الذي يتمتع برؤيته. والثلج في الجبال كذلك يرحل الناس إليه، لجماليته ولراحة البال وطمأنينة النفس، والاستراحة من عياء الدنيا، والواحة في الصحراء، هذا الماء الذي لا يصدق الناس أنه يوجد في هذا المكان، فيخرج خضرة وأشجار النخيل، ويأخذ أهمية كبرى في الصحراء، لأن الحاجة إليه أكبر. والماء الذي ينزل من السماء حينما يهطل المطر، فيحدث إحساسا عجيبا عند المرء، ويعلن بالحياة التي ستبدأ على الأرض بالاخضرار، ويبشر الناس بخروج الرزق من الأرض، ويطمئن المزارع والفلاح. الماء الذي وصفت به الجنة، واقترن ذكره في القرآن الكريم بذكر الجنة، الماء الذي بدونه تستحيل الحياة، وكلما قل كل ما ذل البشر، وكلما توفر كلما سحر. الماء آية من الآيات العظيمة في الكون نمر عليها ونحن عنها معرضون.
الماء الذي ألهم الشعراء شعرا، والفلاسفة فلسفة، والعلماء علما، هذه المادة العجيبة، التي شدت إليها انتباه الفلاسفة والكتاب والشعراء قبل العلماء، فما هي؟ ولماذا لا حياة من دونها؟ بل ولا حركة ولا سعادة. هذه المادة العجيبة التي تجاوزت أوصاف الدنيا إلى الآخرة، واقترن اسمها بالجنة التي سيخلد فيها المؤمنون الصالحون والرسل والأنبياء، فذهب وصفها إلى ما بعد الحياة حيث نجد أوصاف الجنة والنعيم المقيم يقترن بالجنة، لكن نجد دائما تجري من تحتها الأنهار فهنا تكتمل المتعة والسعادة برؤية هذا الجمال الخارق الذي لا يمكن أن نتصوره على حقيقته بإدراكنا المحدود. فهل يمكن أن نعرفه ونعرف خصائصه ومميزاته، بدون شك لن نقدر، لكننا سنسبح في بحر التعريف بالماء، وليس في الماء. من خلال الظلال الوارفة للآيات القرآنية، التي تطرقت إلى وصف الماء، والخصائص العلمية التي وقف عليها العلماء.
يوجد الماء في الطبيعة على شكله المعتاد، كسائل أو ثلج أو بخار أو سحب في الأجواء. ويوجد الماء كذلك في كل المواد الحية بنسبة عالية، تصل إلى 90 % من جل المواد النباتية والحيوانية. وكلما ارتفعت نسبة الماء، كلما تغير شكل المادة إلى أن تصبح سائلة. ولذلك سنتناول الماء كأحد العناصر المكونة للمادة الحية عموما، لكن سنركز على السوائل، والتي رتبها الله سبحانه وتعالى ترتيبا معجزا في سورة النحل، والتي تناول فيها العزيز الجبار كل المواد التي خص بها الإنسان، وقد جاء الترتيب كالتالي: الماء – الحليب – السكر – العسل. وسنتناول هذه الآيات الأربعة، حسب الترتيب القرآني، لنعرض بعض الحقائق العلمية في الميدان الغذائي.
معطيات عامة حول الماء
كمية الماء
اعتقد الناس لفترة طويلة أن مياه الشتاء لا علاقة لها بالمياه الجوفية، ونجد هذا الاعتقاد عند أرسطو والذي جاء في الموسوعة البريطانية، لكن في أواخر القرن السابع عشر تبين أن هناك علاقة مباشرة بين مياه الشتاء والمياه الجوفية، وبذلك تكون نظرية دورة الماء في الكون مقبولة أو ممكنة. ولعل أبرز ما تشير إليه هذه النظرية أن الكمية المائية في الكون لا تتغير. ولو أن هذه النظرية تظهر غريبة، فإن صحتها تتوقف على إحصاء كمية الماء الإجمالية، وكذلك الشكل الذي توجد عليه في الكون، هل هي متجمدة أو سائلة أو على شكل بخار أو سحاب. وليست الكمية المائية هي التي تهم، وإنما التوازن بين أشكال الماء في الكون وتوزيعها على كوكب الأرض. فقد يكون الماء موجودا بكثرة، لكنه لا يصلح، إما لأنه متجمد أو لملوحته أو لوجوده بكثرة في وقت قصير كالفيضانات.
تحتل مساحة الماء 72 % من مساحة الأرض أي ما يعادل 360 كلم2. وتبلغ ملوحة مياه الأنهار 7 % بينما تصل ملوحة مياه البحار إلى 89 %. وتتوزع المياه على ثلاث مخزونات هائلة، منها مياه البحار والمحيطات والبحيرات والمياه الجوفية والمياه الفضائية على شكل سحاب أو رطوبة في الهواء. وتتصل كل مجموعة مع الأخرى اتصالا مباشرا ودائما، من حيث تجري مياه السطح لتصب في البحر وتتبخر مياه البحار لتوازي الرطوبة في الماء وتكون مياه الطبقات العليا في السماء كما تتسرب مياه السطح إلى المياه الجوفية وما إلى ذلك.
العناصر الكيماوية المكونة للماء
تتكون جزيئة الماء من عنصرين: الأوكسايجين والهايدروجين وتشمل ذرتين من الهايدروجين وذرة من الأوكسايجين مرتبطتين كالتالي:
H-O-H
رسم بياني لبنية جزيئة الماء
من المعلوم أن ذرة الأوكسايجن لها 6 اليكترونات على المدار الخارجي L والذي يستقر بوجود 8 ذرات عليه. ولذا فإن الاليكترونات الستة تكون على الشكل التالي: اليكترونين منفردين وزوجان اثنان. ويمكن لذرة الأوكساجين أن تكون ارتباطين وهو الحد الأقصى الممكن كيماويا فيما يخص الارتباط التسهامي ويحتل الأوكسايجن كذلك الرتبة الثامنة في جدول تصنيف العناصر الكيماوية ويأخذ عدد (Z = 8) في هذا التصنيف والأوكسايجن يوجد في الطبيعة على شكل غاز وخاصيته المميزة الاحتراق إذ لا يمكن لعملية الاحتراق أن تتم بدون أوكسجين كما يلاحظ عامة الناس أن النار تضرم بسهولة وبقوة عند اشتداد الريح لأنها تزود العملية بأوكسجين الهواء.
ولا يمكن أن نقف عند حد الاحتراق بل يجب أن نتعمق شيئا ما لنرى كذلك ما يقع أثناء عمليات الاحتراق التخمري (Oxydation) داخل المادة الحية أو داخل جسم الإنسان أو أي جسم حي كيفما كانت بنيته ولو كان من الأحياء الدقيقة الأحادية الخلية (Microorganisms). ولا يمكن لعمليات الاحتراق أو ما يسمى بالأكسدة (مشتق من أوكسجين) داخل الخلايا أن تتم وتأخذ الطاقة اللازمة لتحريك الجسم لأية وظيفة بدون أوكسايجن ولا أحد يتعذر عليه فهم عدم إمكان العيش إذ لا يمكن بدون تنفس، وما التنفس سوى عملية إدخال الأوكسايجن إلى الخلايا لتتم عملية احتراق الأغذية فتزود الجسم بالطاقة.
وربما نتطرق إلى بعض العمليات الأخرى، والتي يتم فيها إيصال الأوكسايجن إلى الكائنات الحية عبر التهوية بالتحريك أو بنفخ الهواء في الوسط، وهو ما نستعمله في المفاعلات الحيوية (Fermentors)، أو في محطات معالجة المياه أو في صناعة الخميرة والخل وبعض الأنزيمات أو اللقاحات أو المضادات الحيوية وما إلى ذلك من المواد المفروزة من لدن أحياء دقيقة تحتاج إلى أوكسايجن لتنمو وتفرز المادة التي يراد إنتاجها.
أما ذرة الهايدروجن فلها اليكترون واحد على المدار K. وهذا المدار لا يتحمل وجود أكثر من اليكترونين، ليصبح تابتا أو منعدم التفاعل، وبهذا فإن الهيدروجين لا يتعدى تكوين ربط واحد مع العناصر الكيماوية الأخرى. وبما أن الأوكسايجن قابل لربطين والهايدروجن لا يتعدى ربطا واحدا، فإن ذرة واحدة من الأوكسايجن تصبح قادرة على ربط ذرتين من الهايدروجن، لتصبح النتيجة ذرة أوكسايجن مع ذرتي هايدروجن وهو الربط الموجود في جزيئة الماء (H2O).
والهايدروجن يوجد كذلك على شكل غاز، ولا يوجد في الطبيعة وإنما ينتج عبر مفاعلات كيماوية تولد الهيدروجين الغازي السائل. ومن خصائص الهايدروجن المميزة الانفجار بقوة، وهو ما حدى بعلماء الفيزياء باستخدام هذا العنصر في القنبلة الذرية، والتي تسمى كذلك القنبلة الهايدروجينية، أو لتخزين الطاقة لتستخدم لأغراض نافعة أو سلمية كالإنارة والمركبات الفضائية (محطات الطاقة الذرية) ويكفي ذكر القنبلة الذرية، ليدرك القارئ مدى أهمية الطاقة التي يحتوي عليها عنصر الهايدروجن.
أما إذا اتحدت ذرة غاز الاحتراق أو الأوكسايجين مع ذرتي غاز الانفجار أو الهايدروجن، لتكون مادة أخرى تختلف تمام الاختلاف، وهي الماء والذي لا علاقة له مع الانفجار أو الاحتراق، وإنما يمتص الحرارة ويطفئ النار.
ولقد ألف العلماء الحديث عن الماء كسائل يصلح لعدة استعمالات، بل ربما تستحيل الحياة بدون وجوده، لكن قد لا يفكر المرء في هذه المادة التي جمعت بين عنصرين أحدهما متفجر والآخر محترق. لتكون النتيجة وجود مادة تطفئ النار وتمتص الحرارة والإشعاع، وتذيب الأملاح والمواد الكيماوية العديدة كما قد تحفظ بعض الأجسام الحية، وتنقل العناصر الذائبة أو المحاليل كالأملاح وتنقل كذلك المواد الاقتياتية للخلايا عبر الدم أو النسغ، وتستعمل لإدخال الأدوية واللقاح للجسم، كما تكون وسطا للتفاعلات الكيماوية والأحيائية في عالم الحيوان والنبات والجراثيم، وقد يستحيل أي تفاعل كيماوي بدون ماء. وتنقل الخلايا التناسلية الذكرية من الذكر إلى داخل رحم الأنثى وتتخلل التربة والصخور. وكذلك الشكل الذي توجد عليه فهي تتبخر وتتجمد وتسيل.
ولكل شكل من هذه الأشكال خاصياته. فالماء المتجمد يصعب ضبط بنيته الكيماوية والماء على شكل بخار هو الذي يتمثل بالرمز H2O أما الماء السائل فليس هناك رمز يدقق البنية الشكلية للجزيئات كيف تتناسق مع بعضها.
ونتناول الماء كمادة كيماوية تتفاعل، ولها خصائص ومميزات ربما تستعمل أو تستغل لبعض الأغراض النافعة للبشر، كما سنرى فيما بعد. ويجب أن نتعامل مع هذه المادة العجيبة بتدبر وفهم لمعرفة الحقيقة العلمية التي تتجسد في الخصائص المتعددة للماء والتي لا يمكن الاستغناء عنها.
أنواع المياه
نتكلم عن المياه عامة لكن هناك ما هو جدير بالذكر للمستهلك العادي، وهناك ما هو جدير بالذكر بالنسبة للفلاح أو الصانع أو مربي السمك وما إلى ذلك، وسوف ننهج طريقة سهلة لتقسيم المياه على مستوى أهميتها، أو على مستوى صناعتها ولا نجزم فيما نفسر به الأشياء في هذا الكتاب أنه قطعي، وإنما هو رهين بالحالة الطبيعية للمنطقة أو مستوى تصنيع الدول بالمنطقة، ويبقى رهن التطور العلمي لما قد يصيبه من تغيير.
المياه السطحية
وتطلق هذه التسمية على جميع المياه الموجودة على سطح الأرض ماعدا مياه البحار. ومنها كذلك مياه البحيرات والأنهار والعيون والسدود. وتتكون المياه السطحية من الينابيع الجوفية التي تتفجر عيونا فتسيل أودية أو من المياه الجوفية التي تتفجر عيونا فتسيل أودية أو من المياه الجارية وتتجمع هذه المياه في مجاري قد تأخذ مسافات طويلة وكذلك حجما كبيرا فيما يخص سيلان الماء والكمية التي تجري في هذه المجاري وتتميز هذه المياه بالاتصال المباشر مع الهواء والذي يتحرك بتحرك المياه من جهة وبالسرعة التي يتم بها هذا التحرك. ويمكن للمياه السطحية أن تتجمع في بحيرات محبوسة تأخذ أحيانا حجما هائلا كما قد تتجمع بفعل الإنسان في سدود عادية على أنهار أو سدود تلية وتكون هذه المياه راكضة ولا تتحرك وهو ما يعبر عليه بوقت المكوت أو مدة البقاء والتي تأخذ سنة كاملة.
وتختلف محتويات هذه المياه الكيماوية باختلاف المناطق والتربة التي تمر بها أثناء الجريان أو القشرة الأرضية التي تقطعها أثناء النبوع في حالة العيون.
إن ما يميز المياه السطحية كونها تحتوي على عكارة مرتفعة من جراء المواد المحملة الغير الذائبة. ويظهر هذا في المياه الجارية على الخصوص إذ تكون في بعض الأحيان ذات ألوان مختلفة بسبب العكارة (طين، مواد عضوية نباتية وحيوانية وطحاليب الخ). وتتميز هذه المياه كذلك بكونها تحتوي على غازات ذائبة مثل الأوكسجين وتتقلب هذه المياه من حيث الحمولة والمواد المحملة أثناء النهار والفصول أو من مكان لآخر بتعدد الثلوتات التي تمر بها أثناء الجريان.
أما عذوبة هذه المياه فتضل موضع الشك في سلامتها وتمثل خطرا قائما بالنسبة للمستهلك إذ قد تنقل أوبئة من منطقة لأخرى وعلاوة على ما يمكن أن تحتوي عليه مما ذكر فقد تتلوث من جراء العمران أو الصناعات أو الفلاحة وربما ترمى القادورات والأزبال الحضرية أو القروية في مجاري المياه لتصبح خطرا على الإنسان كما قد تصيبها ملوتاث حديثة العهد كالمبيدات الفلاحية المختلفة الأنواع والتركيبات والأسمدة وما إلى ذلك كما قد تجني عليها الصناعات أكبر فساد في الأرض لتتحمل بالنفايات الصناعية المختلفة.
المياه الجوفية
وتأتي المياه الجوفية من التسرب من سطح الأرض عبر القشرة الأرضية لتكون المياه الجوفية وهناك أنواع لهذه المياه الجوفية فقد تكون حرة وتتكون من مياه التسرب أو قد تكون محبوسة وفي هذه الحالة تفصلها عن سطح الأرض قشرة الصخور الأساسية وتكون هذه المياه جد عميقة.
وهناك حالة خاصة للمياه الجوفية التي تتكون تحت سطح المياه الجارية فتكون مرتبطة مباشرة بهذه المياه وتتبعها في التركيب والمعنويات وتتأثر محتويات هذه المياه بنوعية التربة والقشرة الأرضية التي تقطعها أثناء التسرب أو أثناء النبوع فالمعروف عن هذه المياه أنها صافية على عكس المياه السطحية وتمُل عكارتها أدنى حد ممكن وتمتاز كذلك هذه المياه بعدم احتوائها على غازات مثل الأوكسجين ولها تركيب كيماوي تابت وعذوبة هذه المياه لاشك فيها حتى أنها كانت تقترن بالمياه الشروبة لخلائها من الأخطار الناتجة عن الجراثيم وتستجيب هذه المياه طبيعيا لخصائص ومواصفات المياه الشروبة ولا يدهشنا كون المياه الجوفية أنقى وأعذب من المياه السطحية إذا ما نظرنا بعض الشيء إلى الكفية التي تتجمع بها تحت الأرض وما هي المياه التي تتجمع في المياه الجوفية.
إن تسرب المياه السطحية إلى جوف الأرض يمثل أرفع طريقة لتصفيتها ذلك أن هذه المياه أثناء تسربها تترشح عبر القشرة الأرضية ثم تلتقي بالصخور والأحجار والطين والرمال، فتأخذ منها كل المواد العالقة والمواد المحملة عبر الإمتزاز، ثم تنفد إلى جوف الأرض نقية مصفاة من كل المركبات إلا بعض الأملاح والمواد الذائبة. ويضمن هذا الترشيح والإمتزاز سلامتها من المواد العضوية والمركبات الضخمة بما في ذلك الجراثيم والفيروسات.
و لا نخدع أنفسنا بهذا التفسير العلمي لنضمن سلامة أي ماء جوفي في منطقة ما من المعمور بل يجب أن ننبه بما هو أخطر. لأن هذا التفسير الذي أسلفنا ليس لنطمئن مطلقا لكن لنفهم الأشياء على ما كانت عليه في سالف العصور أو قبل 50 سنة لكن الآن مع الفساد وليس التلوث الناتج عن عدم القدرة على العلوم بالطريقة السليمة والعقل السليم ربما تصبح المياه الجوفية أكثر خطر من المياه السطحية وهناك مناطق بأكملها تلوثت مياهها الجوفية حتى أصبحت كالمياه الحارة أو أكثر. وذلك بتسرب مياه جد ملوثة وتسرب بعض العناصر الخطيرة إلى المياه الجوفية. وكقانون عام يجب أن نستحضر في أدهاننا أنه لا يمكن بأي وجه أن تكون صناعة في منطقة ما دون أن تفسد المياه الجوفية إطلاقا.
أنواع المياه الجوفية
المياه العادية أو مياه الشرب
وهي المياه التي تنبع طبيعيا أو يحفر لها (آبار) بحرارة عادية وملوحة عادية وليس بها غازات ذائبة أو لون أو أي شيء من شأنه أن يفقدها لونها أو رائحتها أو عكارتها أو مظهرها. وطبعا فهذه المياه تصرف مباشرة للاستعمالات المنزلية أو الفلاحية أو الصناعية بدون معالجة أو بمعالجة خاصة بالصناعة كما سنرى فيما بعد ولا تشكل هذه المياه أي خطر إذا ما كان المنبع لم يلحقه تلوث.
المياه المعدنية
وهي المياه التي تنبع بتركيز عالي من الأملاح المعدنية والتي تتميز بخصائص صحية والتي ربما لا تحتاج إلى معالجة وتباع في قنينات لندرتها ولتكلفة نقلها وتعليبها. يجدها الناس في جميع الأسواق وبالقرب منهم. وفي بعض الأحيان تكون هذه المياه محملة بغاز ثاني أوكسايد الكربون فتسمى المياه الغازية وتعرض في السوق لتباع بنفس الطريقة ويبين عليها نوع وتركيز الأملاح المعدنية وكذا مستوى الإشعاع بها وطبيعتها الغازية.
مياه الاستشفاء
ربما تمر المياه الجوفية ببعض المعادن أو تتصل ببعض المركبات الكيماوية كالكبريت أو اليود أو الكلور وما إلى ذلك لترتفع درجتها فتنبع على درجة 65 م° وتستعمل للاستشفاء وتكون غير صالحة للشرب في أغلب الحالات. ويعلم الجميع أن العيون التي تنبع منها هذه المياه تقام بها حمامات خاصة يقصدها الناس للاستشفاء من بعض الأمراض الجلدية أو العضلية. وتختلف هذه المياه من حمام لآخر ومن بلد لآخر كما قد تكون محملة ببعض المركبات من حيث لا تصلح للشرب وإنما للاستحمام وقد يصلح بعضها للشرب والاستحمام معا.
مياه البحار
إذا كانت العكارة تميز المياه السطحية فإن الملوحة تميز مياه البحار وتصل أحيانا هذه الملوحة إلى حد لا يطاق وتختلف الملوحة من بحر لآخر كما يبين ذلك الجدول الآتي:
البالتيك 35-32
الأطلسي والهادي 40-38
الأحمر 45-43
الميت 270
ويختلف تركيب ماء البحر من الشاطئ إلى داخل البحر وقد يصعب تحديد مستوى الملوحة بدقة أو مستوى الأجسام العالقة أو البيئة البحرية. نعلم جميعا أن البحار والمحيطات متصلة ونعلم أو ذوبان الأملاح مقيض بالحرارة فهناك البحار المتجمدة بحر الشمال وهناك البحار الدافئة وما إلى ذلك رغم أن هذه البحار متصلة فهناك فرق في الملوحة وربما لا يقع التوازن بين البحار إلى الأبد وربما نجد بحرا عذبا متصلا مع بحر مالح فلا يطغى عليه ليصبح التركيز موحدا. كما توجد مناطق سابحة في البحار والمحيطات والتي لا يتجانس ماؤها مع باقي المياه التي تسبح وسطها.
خصائص الماء
الغليان والتجمد والتبخر Evaporation/freezing
من المسلم به أن الماء لا لون له ولا طعم ولا شكل ولا قوام له تحت الحرارة العادية وتحت ضغط عادي أي ما يعادل 76 سم من الزئبق. وعلى إثر هذه التحولات يبقى الماء المادة الوحيدة التي يستفاد من جميع أشكالها إما الثلج أو الماء السائل أو البخار.
تستعمل بعض خاصيات الماء في تعريف مقياس الحرارة. والكل يعلم أن الحرارة تقاس بالدرجات المائوية وهذه الدرجات وضعت نظرا لخاصيتين عند الماء. الأولى وهي دوبان الثلج تحت ضغط عادي 76سم زئبق وقد أخذت على أنها تعادل 0 م° والثانية وهي غليان الماء تحت ضغط عادي 76 سم وقد أخذت على أساس أنها تمثل درجة 100م° ونقسم المسافة بين 0 و 100 للحصول على مقياس للحرارة (thermometer ).
لقد استفاد علماء الفيزياء من خصائص الماء كثيرا وأدت دراسة الخصائص إلى تقدم كبير في الصناعات على مختلف أنواعها. ومع اكتشاف الآلة البخارية من عهد جيمس وات قفزت الصناعات الميكانيكية على الخصو