البيئة في الإسلام

 

 

خلق الكون وتوازنه

 

إن النظريات العلمية القائمة حاليا، تكاد تجمع على أن المجموعات النجمية ومنها المجموعة الشمسية التي تضم الشمس وتوابعها من الكواكب كالأرض والقمر، كانت سديما ثم انفصلت أو فتقت وأخذت أشكال الكواكب التي نعلمها الآن، بشكلها الكروي المعهود. وإذا صحت هذه النظريات فإن السماوات والأرض كانتا قطعة واحدة ثم انفصلتا. وتظل هذه الاحتمالات العلمية قيد الصواب والخطأ على حد سواء، لأن إدراك الإنسان لا يصل مكانا ولا زمانا إلى الحقيقة العلمية عبر التجربة أو الكشف. فمكانا لأن الكون لا متناهي، ولا يمكن أن نراقبه من الأرض التي هي نقطة في هذا الكون، وزمانا لأننا لا يمكن أن نفسر الآن ما حدث منذ ملايين السنين.

 

ولهذا فمنطقيا وعلميا إذا كانت الأرض انفصلت عن السماء داخل المجموعة الشمسية، فإن حرارتها كانت تقدر ب 12000 درجة فارنايت على حد زعم بعض الموسوعات العلمية كالموسوعة البريطانية. وهذه الحرارة المفرطة لا تسمح بوجود مواد عضوية ولا بوجود أي شكل من الأشكال الكيماوية، ماعدا الغازات أو العناصر الكيماوية الحرة. وإذا كان وجود المواد العضوية يستحيل تحت هذه الحرارة فلا يمكن أن نتكلم عن الحياة.

 

إن الأرض لما فتقت كانت مشتعلة، ولكي تكون عليها حياة كان يجب عليها أن تبرد أولا ثم بوجود الماء على أشكاله الثلاثة سائل وبخار وثلج لتلعب عملية المياه على سطحها دور مصدر الحياة، أو وجود كل الأحياء التي نعلمها الآن. ونعلم أن عملية التبريد ترتبط بالخصائص االفيزيائية للسائل المبرد. ذلك أن الهواء يبرد الأشياء بسرعة أقل من سرعة التبريد بالماء. لأن هذا الأخير يمتص الحرارة أكثر من الهواء. ونعلم  كذلك من الناحية الكيماوية، أن جزيئة الماء تتكون من ذرتي هايدروجين مرتبطتين مع ذرة أوكسايجين. وتتحد ذرتي الهايدروجين مع ذرة الأوكسايجن تحت حرارة تفوق 3618 درجة فارنايت لتعطي جزيئة الماء، وكل هذه الشروط كانت متوفرة ليتكون الماء في الفضاء، لأن كل العناصر الكيماوية كانت موجودة على شكل غازات وكانت كذلك موجودة بكثرة، فاتحدت ذرات الهايدروجين مع ذرات الأوكساجين فتكون الماء بكمية هائلة حيث نشأت المحيطات الفضائية، وهذه لبمحيطات هي التي ستبرد الأرض إلى درجة حرارية تسمح بوجود الماء السائل على سطحها، فتستقر آنذاك المحيطاتعلى الأرض كما نعهدها الآن.

 

وحدث بعد هذا، حسب الوصف العلمي، أن أخذت الأرض تبرد تدريجيا حيث استغرقت العملية مليارين من السنين، وقد قدر العلماء هذه المدة بطريقة التحليل الإشعاعي للعناصر المشعة لدراسة تاريخ أو عمر الأرض. ثم بعدما بردت الأرض، انخفضت الحرارة إلى مستوى يسمح بوجود المواد العضوية أو الحية. ولكي تبرد الأرض وتشقق الصخور غرانيت، بزالت الخ... ، لتصبح تربة قابلة وصالحة للنبات، كان لابد من نزول الماء على صطحها، حيث يعمل مع الهواء على تحويل الصخور إلى تربة بتفتيتها والتسرب من خلالها. ولم تظهر الحياة على الأرض إلا بعد نزول الماء، وجريان التفاعلات الكيماوية القاضية بتحول بعض المركبات المعدنية، لأن المادة العضوية لم تكن خلقت بعد. وحيت تهيأ الوسط، واعتدل الجو، وتوفر الماء على سطح الأرض، ظهر ما عبر عنه العلماء بالحياة المائية، وذهب بعض العلماء إلى تطابق هذا الطرح مع ما جاء في القرآن بخصوص الماء. إلا أن هذا التفسير، يضل ضيقا ومحدودا بالنسبة لما جاءت به الآية الكريمة التي تخص الحياة بجميع أشكالها، وهو ما يسمو بكثير عن التفسير العلمي البحث.

 

الوصف القرآني والتقارب مع العلوم

ونعود إلى الوصف القرآني، لنرى الحقيقة من الذي خلق هذا الكون وهو أعلم بخلقه من البشر، وأغلب ما جاءت به العلوم حول تكون الأرض، ما هو إلا تصور محدود لعقل محدود، ولا يغني التصور عن الحق شيئا، بل يمكن أن نستقي الحقيقة من القرآن فنفهم بعلم ويقين.

 

وقبل أن نتكلم عن كل المخلوقات النباتية والحيوانات والمتعضيات والجراثيم وما إلى ذلك، يجب أن ننظر إلى المراحل التي تكونت فيها الأرض كما جاء في القرآن.. إن أول آية تصف خلق الأرض هي قوله عز وجل في سورة الأنبياء: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)

 

إن الأوصاف التي جاءت في القرآن بشأن خلق الكون، لا تتطرق إلى الجزئيات ولا تتقيد بالمادة، وإنما هي إيحاءات تجعل من القرآن أسلوبا واضحا وشاملا لجميع أنواع البشر، من البدوي في الصحراء إلى العالم الباحث في مختبره. ولهذا فهي تعتمد على ما تسهل الحجة به مباشرة دون الاستدلال بالأبحاث العلمية، ولذلك نجد في لغة القرآن  "ألم تر  أو أولم ير أو بصيغة الجمع ألم يروا  أو ألم تروا. فهذا الخطاب يجعل الشخص يقر بالحقيقة المشاهدة والمعروفة، والتي لا تحتاج  إلى آلة، وفي نفس الوقت يأتي الخطاب للعالم، الذي يرى أكثر ما يراه الإنسان العادي بآلاته وبأبحاثه وما إلى ذلك، ويجد كل الناس ما يريدونه في القرآن رغم مستوياتهم المتباينة.

 

إن الرتق والفتق في هذه الآية يحددان مرحلتين سابقتين لظهور الحياة، وإذا تأملنا هذه الآية نجد أن الله يذكر الماء والحياة في آية واحدة مع فتق الأرض. قد يظهر لنا أن لا علاقة للماء بفتق الأرض عن السماء. ذكر الماء وفتق الأرض في آية واحدة، وسياق واحد يجعل أطراف الآية تصف حدثين مختلفين تمام الاختلاف عن بعضهما من حيث الخلق، لكن السياق القرآني يصف أشياء لها علاقة كونية تابثة قد نعلمها وقد لا نعلمها بالوسائل العلمية، لكن علم الله لا يحتاج إلى آلة. ولا يمكن فهم الآية بالبلاغة اللغوية، بل يستحيل تفسير ذكر الماء مع فتق الأرض عن السماء من منطلق لغوي، وهذا ما جعل القرآن يظهر لبعض الناس بشكل غريب. لكن إذا ما علمنا أن القرآن تعبير الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن نتجاهل الوصف لهذين الحدتين. لأن ذكرهما في سياق واحد يدل على العلاقة بينهما. وسنرى بطريقة علمية كيف يرتبط فتق السماوات والأرض بوجود الماء، وربط الحياة بالماء في آن واحد، ليتضح للناس الوصف الحقيقي من خلال الوحي، ولهذا قلنا في البداية أن الله وصف حدتين مختلفين في نفس الآية، وهما فتق الأرض وجعل الحياة من الماء. كيف يذكر القرآن الماء مع حرارة  12000 درجة فارنايت التي هي حرارة فتق الأرض، مع العلم أن هذه الحرارة تفوق حرارة انصهار المعادن.

 

إن الخطاب موجه في هذه الآية للكفار، وهذا أمر له كذلك دلالته لأن فيه تحدي وخضوع للحقيقة التي لا يمكن إنكارها. وإذا كان الخطاب موجه للذي ينكر وينفي ما جاء به القرآن، فإن الحجة والدليل يجب أن يكونا لا رجعة فيهما ولا أدنى شك، حتى يعترف المنكر الجاحد، ولهذا تنتهي الآية الكريمة بالإيمان  "أفلا يؤمنون"  وبما أن الخطاب كان يخص الكفار، فكان يجب أن يأتي بقوة لينهزم الكفر. ولما تناولت الآية مستوى عال من العلوم الكونية، والتي ربما لا يمكن أن تكون في متناول البشر، وبينت شيئا معجزا فكان هذا درسا يقود الكافر، الذي ربما يكون عالما من علماء الكون جاهلا أو جاحدا بالعقيدة، إلى الإيمان بالله الذي خلق هذا الكون. ويبقى هذا الخطاب جاريا، بل أصبح أكثر أهمية في عصر العلوم الذي ربما يزيد من إعجاز القرآن ومعجزته المتجددة في كل زمان ومكان. وهذا الطباق اللغوي جاء ليعلمنا أن الذي يخوض في العلوم لما يتوصل إلى فهم عظمة الخلق، ينتهي بالاعتراف بالحقيقة فيؤمن، وإلا فهو جاحد للحقيقة العلمية التي تجعله يصل إلى حقيقة الإيمان. ولا يزال هذا الإعجاز الخارق قائما على مدى العصور.

 

جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، أن الرتق هو الالتصاق أو الانضمام أو الاتصال بمعنى أن شيئين يكونان رتقا أي لما يكونان شيئا واحدا. والرتق هو عكس الفتق الذي هو فصل الأشياء وجعلها مستقلة، وهذا يؤدي إلى الفهم بأن السموات والأرض كانتا ملتزقتين متصلتين أو كانتا شيئا واحدا، فتمت عملية الفتق بمعنى الفصل والعزل ففتقت الأرض عن السماء بمعنى فصلت عنها فأصبحت مستقلة ومعزولة.

 

وبما أن الأرض كانت مشتعلة، فإن تبريدها جعل سطحها صلبا ومتجعدا لأنه يتكون من الصخور المنصهرة التي بردت كالبازالت والكرانيت. وبفعل الماء والهواء تشققت الصخور وأعطت تربة بنسب مختلفة من العناصر المكونة لها وهي الرمل والطين والكلس. وبعد تشقق الصخور وتكون التربة تهيأت الأرض بإذن ربها لاستقبال الحياة على سطحها. وهنا نصل إلى حقيقة ذكر الماء الذي هو أصل الحياة مع فتق الأرض في نفس الآية.

 

ونجد كذلك بعضا من هذا الوصف، الذي يدل على كثرة نزول الماء على سطح الأرض لتبرد، كما جاء في سورة عبس لقوله تعالى: فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا  

 

ونقول صب الماء، إذا أفرغه بكثرة، ويقترن كذلك الخطاب بالمفعول المطلق، لبيان مدى وقوع الفعل. .إن معنى كلمة صب الماء بالخطاب البسيط للإنسان العادي، يتحول مع الكشوفات العلمية إلى خطاب علمي يتحدى الاختراع والكشف الذي وصل إليه الإنسان، ويسمو عن الوصف العلمي المحض المحدود والضيق. فربما كان صب الماء على سطح الأرض، إذ لم تكن عليها مادة غير الصخور الصلبة المكونة للقشرة الأرضية، ويتسبب الماء بقدرة الخالق في تفتيت الصخور إلى تربة، وهو مادلت عليه الآية الموالية، "شققنا الأرض شقا" وهو كذلك خطاب بسيط للإنسان العادي، لأن الشق قد يفهم منه الحرث أو شق الأرض المتراكمة وإخراج النبات من الأرض، ونحن نعلم كيف تنبت الحبة، ثم تعطي نبتة، حيث تنقسم إلى  جذور تذهب في الأرض، وشتلة تخرج إلى الوجود لتصبح نباتا أو شجرة.

 

يذهب معنى الشق إلى أكثر من ذلك، وهو شق الصخور وتحويلها إلى تربة وشق هذه التربة بتسرب الماء والهواء بداخلها، لتصبح بيئة صالحة لحياة النبات ويلعب الماء دور الوسط للمفاعلات الكيماوية في التربة، وبذوبان الأملاح والعوامل الأخرى التي تمثلها النباتات. والماء يرفع كذلك  النشاط المائي بالتربة ليجعلها ملائمة لحياة الجراثيم  التي تعيش فيها وتحلل المواد العضوية إلى مواد معدنية، وهي المواد التي تلعب دور السماد والتي تساعد على نمو النبات وحياته وكذا تكاثره واشتداده.

 

ولغة الشق بمعانيها الكثيرة انطلاقا من مخاطبة الإنسان العادي، إلى مخاطبة العالم المتخصص في العلوم الكونية وخصوصا علوم التربة وعلوم الأرض. ولذا فإن القرآن يضم جميع المستويات ويشمل كل المعاني من أدناها إلى أقصاها. والخطاب صالح لجميع العصور على امتداد الزمان والمكان. ولربما فهمنا بعض النظريات البسيطة ولا زال الكثير في هذه العلوم الكونية لم يفهم بعد، وقد يتدبره جيل المستقبل وليعلم كذلك أن الذي خلق هذا الكون، وأنزل القرآن قادر على خلق أشياء أخرى، وأنه عليم بما في كتابه، أنزله رحمة للعالمين كما قال سبحانه في سورة الأنبياء: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون 10

 

ونركن إلى العلوم لنذهب بعيدا في لغة الشق ذلك أنه تبين علميا أن التربة مكونة من عدة عناصر ومنها على الخصوص الطين والرمل والكلس وما إلى ذلك، وحسب طغيان بعضها على البعض تنعث التربة بالعناصر الأكثر نسبة فيها على النحو التالي: تربة رملية إذا كان الرمل يطغى على العناصر الأخرى، أو تربة كلسية إذا كان الكلس يطغى على العناصر الأخرى أو تربة طينية وما إلى ذلك.

 

وحسب التركيب فإن الماء قد يشق بسهولة، أو قد لا يشق القشرة الأرضية إلى حد بعيد، كما قد يتبخر بسهولة من خلال التربة، وقد يبقى لمدة طويلة منحبسا في البنية الترابية، ولهذا نجد أن التربة الرملية والكلسية تكون دائما جافة، ولا تحفظ الماء لوقت طويل، بينما نجد التربة الطينية تحبس الماء لمدة طويلة.

 

ولهذا السبب نجد أن في بعض النواحي، لا يمكن السقي بواسطة السواقي السطحية، خوفا من ضياع الماء في الأرض حيث يتسرب  ويتخلل التربة، وقد مكنت العلوم من تفادي هذا الضياع بإدخال تقنية السقي المحوري بالرش، وكذلك التقنيات الأخرى المتعددة ومنها السقي بالقطرة.

 

أما بنية التربة فتتكون من صفائح الطين على شكل غريب، وتكون هذه البنية قابلة لامتصاص الماء والانتفاخ بسبب هذا الامتصاص إلى حد الإشباع، تم تتماسك الصفائح، وتكون سمكا حاجزا لتسرب الماء. والماء إذ يصيب هذه التراكيب البسيطة الدقيقة الخلق تتكهرب أو تشحن بشحنات كهربائية، وتأخذ في الاهتزاز والامتداد، لتزيد من حجمها ولذا فإن مهندسو الأوراش الكبيرة يدركون مدى أهمية هذا الحادث. وهو ما يلزم هؤلاء بحفر أساس يصل إلى القشرة الصخرية، لتفادي حركة انتفاخ الطين من جراء تسرب الماء، وتشبع الصفائح لتربو وتزيد عن حجمها الأصلي. ونجد هذا الوصف لخاصية تسرب الماء،  وإحداث التشبع والتكهرب لحبيبات الطين في قوله تعالى ي سورة الحج: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفه ثم من علقه ثم من مضغه مخلقه وغير مخلقه لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.  إن هذا الوصف الدقيق لهذا الحادث يجعل العلماء أمام حتمية انفراد الله عز وجل بالخلق وتقدير هذا الخلق تقديرا دقيقا.

 

إننا نتكلم عن معجزة مشاهدة بالعين المجردة، لكن هذه المعجزة لا يراها إلا العلماء، وبما أن الإنسان أصبح عاجزا عن وصف بعض الأحداث رغم التقدم العلمي، فإن ظهور بعض الافتراءات والأكاذيب، أصبحت تغذي دوي العقول الضعيفة والنظرة المحدودة والتصور الضيق. فلجهل الإنسان التام بالكون أصبح بعض الأشخاص، الذين لم يقدروا على الذهاب بعيدا في المجال العلمي، وقد يكونوا أصيبوا ببعض الغرور العلمي، ظنا منهم أنهم أصبحوا قادرين على القول بأشياء، فانزلقوا إلى الجهل ورجعوا إلى الظلام، عوض أن يرجعوا إلى الحقائق التابثة، ونشأ عن هذا الجهل تفسير الأحداث بالصدفة، ولا يمكن لأحداث دقيقة تمام الدقة إلى درجة الإليكترون أن تحدث صدفة، وكان أول تفسير على هذا النمط هو ما سمي بنظرية أو حادث بينغ بونغ، وهي نظرية خاطئة عفا عنها الدهر، ويستحيي العلماء أن يتكلموا بها، رغم أن بعض ممن انقطعوا عن العلوم لمدة، لا يزالون يسبحون بالصدفة، وبأشياء تافهة مثل نظرية بينغ بونغ.

 

وينفذ الماء السطحي إلى منطقة الجوف ليكون أنهارا بداخل الأرض، وهي المياه الجوفية التي تغدي العيون والآبار. وتتفاوت أبعاد أعماق هذه المياه من سطح الأرض، فربما توجد في بعض المناطق على بعد متر أو مترين، وقد توجد على بعد مائة متر فأكثر، وهنا نصل كذلك إلى معنى آخر للغة الشق والحفر والتنقيب عن المياه الجوفية من آبار وعيون لتستعمل للري، فيخرج بها الحب والعنب والقضب والفواكه والأب كما جاء في الآيات الموالية: ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم.

 

أما وإن تناولنا المعنى البسيط للغة الشق، فإن هناك آية أخرى من آيات الله في هذا الكون وقد نمر عليها ونحن عنها معرضين كما قال تعالى في سورة يوسف:  وكأي من آية من آيات ربهم يمرون عليها وهم عنها معرضون. ذلك أن النبتة الأولى الصغيرة للحب أو النوى تتكون تحت التراب والحجر المتراكمين عليها، لكنها تشق التراب وتخرج إلى الوجود، لتستقبل أشعة الشمس وتبدأ عملية التماثل الضوئي والنمو وإخراج الثمار. وكم ينسى الإنسان هذه الآية لما تخرج النبتة من تحت التراب، وهي تشق الأرض شقا رغم ضعف بنيتها، وقد ترفع حجر فتخرج من تحته، ونعلم جيدا أن كلما نزل المطر، خرج النبات من تحت الأرض واخضرت. فالماء يشق التراب إلى أسفل والنبات يشق التراب إلى فوق، وإن هذه العملية التي تظهر بسيطة وبديهية للإنسان العادي، تمثل ظاهرة معقدة ولها أحكامها وقواعدها التي تدل على آية الله في الخلق بشق التراب وإخراج النبات.

 

ويقول سبحانه وتعالى في سورة لقمان: ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. إن وجود الإنسان على الأرض لا يمكن أن يكون صدفة، أو بدون حكمة، ولكن بتقدير دقيق ولحكمة بالغة، أرادها الله من هذا الإنسان..والتعبير الإلهي تعبير يليق بجلاله وعظمته، ولذلك قال سبحانه سخر لكم، وليس خلق لكم، لأن التسخير أن تجعل الأمر يسيرا ميسرا للعيش وللاستخدام، دون كلفة ولا مشقة، وبدون تعب ولا سعي في الطلب.  فالسماء ليست سهلة ولا في متناول الإنسان، لكن الله يسخرها ويجعلها سهلة المنال، من حيث جعل منها مجالا فضائيا للطيران، ولولوج الفضاء إلى الكواكب الأخرى، ولإطلاق المركبات الفضائية والأقمار الاصطناعية وما إلى ذلك، وربما كانت هناك أشياء أخرى لم تظهر بعد أو لم نصل إليها بعلمنا في الوقت الحاضر.

 

والهواء الذي نستنشق والماء الذي نشرب، وكذلك كل ما خلق الله في هذا الكوكب، يصلح لخدمة الإنسان وعيشه ورفاهيته، من الأجسام الحية الدقيقة إلى الحشرات إلى الحيوانات إلى الطيور والأسماك، وكل ما خلق الله لابد أن نجد فيه شيئا يصلح للإنسان، ولا يمكن أن نجد مخلوقا لا يصلح لشيء على وجه الأرض، إلا أن نجهل دوره ومهمته. وبعد تعبير التسخير للكون، يأتي تعبير أسبغ، وهكذا يكون التعبير الإلهي، وهو تعبير كما أسلفنا يليق بجلال الله وهو القادر على التسخير والقادر على الإسباغ. فالنعم التي خص بها الله عباده لا تحصى، وهذه النعم لا تكون ناقصة أو فيها عيب أو تشوه، وإنما هي كاملة ولنا أن ننظر في كل ما خلق الله لنا في هذا الكون هل هناك شيئا ليس مخلوقا على أتم حال.

 

وليس التسخير فحسب الذي خص به الله سبحانه وتعالى الإنسان، وإنما هناك أشياء أخرى أكثر وأبلغ في المعنى والأهمية، كما جاء في سورة الإسراء لقوله تعالى  ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا. فكما رأينا في الآية السابقة، أن الله سخر الكون كله، وأسبغ النعم على الإنسان، ففي هذه الآية نرى أن الله يعبر عن الجانب المعنوي والاجتماعي في الكون، ويبين مركزه وقيمته  بالنسبة للمخلوقات الأخرى. فالتكريم لا يكون إلا لمن يستحق، ويكون للرفع من معنوية الشخص، وجعله فوق الآخرين. والحمل في البر والبحر يعني كل ما بينهما، مما يحمل عليه وإليه، ورزقه من كل الطيبات، وفوق هذا كله يزكي الله التكريم بالتفضيل في آخر الآية كما قال سبحانه وتعالى وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا والتعبير بالمفعول المطلق صيغة بلاغية أكيدة، لا تجعل الشك في الفعل ولا تدر يقينا للمخاطب في القول.

 

ونجد كذلك نفس التعبير ونفس المعنى في سورة القمر إنا كل شيء خلقناه بقدر فهنا يأتي التوكيد بإن، وتقديم المفعول به على الفاعل بمفعول به ثاني هو الهاء، والقصر في تسبيق المفعول به على الفاعل، أي أن جميع ما في هذا الكون من الصغير الدقيق إلى الكبير الضخم اللامتناهي. فكل هذا الكون مخلوق أولا، ثم إنه مخلوق بتقدير وبتدقيق وبحساب وميزان، والدليل على هذا التقدير والحساب الذي تكلمنا عنه بما فيه الكفاية موجود في الكتاب والسنة بالدقة والبرهان.

 

وهناك آيات كثيرة تصف هذا الحساب والتدقيق، نأخذ منها قوله تعالى في سورة الرحمن: الرحمان علم القرآن لق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان. والوصف القرآني يكون دائما مبسطا وبليغا وسهلا، ليفهمه كل الناس، وليس العلماء فحسب. فلما نقرأ الشمس والقبر بحسبان لا نحتاج إلى علم لنعرف هذا الحسبان، لأنه حادث يمكن مشاهدته بالعين المجردة، ويمكن فهمه بسهولة، فلم يشهد الناس أن التوقيت وقع فيه خلل مند خلق الكون إلى الآن، ولم يشهد الناس كذلك تفاوت الشمس القمر منذ أن انطلقتا في الدوران، ولا نعرف هل يقدر عمرهما بالمليارات من السنين أو أكثر، والحسبان ليس في دوران الأرض فقط وإنما في كل شيء، وجاء التعبير بالشمس والقمر لأنهما كوكبان يظهران من الأرض، والقمر أقرب الكواكب وإلا فقد يصعب التصديق على الناس، لو جاء باسم كواكب أخرى. والشمس والقمر يقترنان مع الليل والنهار أو التوقيت ومعرفة عدد السنين والحساب. أما قوله سبحانه وتعالى والنجم والشجر يسجدان ففيه قوة إيمانية، وقد جاء سجود الشجر في أية أخرى من سورة الحج لقوله تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء. وهو مثل يضرب للبشر ليتذكر، فإذا علم الإنسان أن كل ما خلق الله في الكون يسجد له سبحانه وتعالى، بما في ذلك الشجر والجبال والدواب والنجوم والكواكب وكل من في السماوات والأرض، فلا يمكن ألا يبقى وحده خارجا عن هذه الحكمة، والسجود كحركة ميكانيكية نعلمها، وهي وضع الجبين على الأرض، لكنها حركة روحية ومعنوية تطيب النفس وتريح العقل. ولذلك توسطت الآيتين في سورة الرحمان، وجاءت بين آية  الشمس والمر بحسبان وآية والسماء رفعها ووضع الميزان، وهذه الآية الأخيرة هي التي تزكي الحسبان الذي تكلمنا عنه. ورفع السماء مع وضع الميزان هو كل شيء لآن الخلق لا يتم إلا إذا كان مدققا، وبدون خلل ليعمل بهذا التوازن، وهذا الميزان هو الذي يجعل الأمور تمشي وفق ما خلقه الله، وكل الحوادث الكونية تمشي بميزان، وكلما اختل هذا الميزان كلما وقعت كوارث كونية، وكلما ضاق الكون وتعس البشر.

 

والله سبحانه وتعالى يوصي على عدم اختلال هذا الميزان وهو ما جاء في الآية التي تلي قوله تعالى ألا تطغوا في الميزان. والطغيان يعني اختلال الميزان أو التوازن، والطغيان يكون من بني البشر لأن النهي موجه للإنسان، وهو الذي يطغى في الكون، ونلاحظ أن كل المخلوقات تزين الأرض والكون إلا الإنسان، لكن ليس أي إنسان وإنما الإنسان الكوني بدون عقيدة، فالحشرات تزين والنبات يزين والحيوانات تزين والطيور تزين، لكن الإنسان يغير، ويقطع الأشجار ويلوث المياه والهواء. والميزان يقابله الاختلال، والاختلال لما يكون في الحوادث الدينامية فهو اختلال لكنه لما يكون في الحوادث الطبيعية أو الأحيائية فهو فساد، وقد كان أول ما نعت به الإنسان قبل خلقه الفساد.       

 

الفساد

ولما رأينا كيف تم خلق الكون وتقديره وجعله على أتم ما يكون من الدقة والتوازن وقد جعل فيه الله سبحانه وتعالى كل ما يتعلق بالعيش والترفيه وسخر فيه كل شيء للإنسان وجعله مستخلفا فيه ولا ينعم أحد من المخلوقات الأخرى بهذا الكون كما ينعم به الإنسان بل كل هذه المخلوقات تعتبر مسخرة للإنسان وهكذا جعل لنا الله عز وجل كل ما نحتاجه ونتوق إليه وكل ما يجعل الحياة مطمئنة وسهلة. ومع هذا التكريم للبشر ومع هذه النعم التي لا تحصى كما أشار الله لذلك في سورة النحل:  وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله غفور رحيم .ونعود لنتتبع معا ماذا فعل الإنسان بهذا الكون الذي جعله له الله لوحده وليس لأحد غيره أو معه.

 

نبدأ مع خلق الإنسان نفسه وكيف بدأ حياته على هذا الكوكب .ونجد أن هذا الإنسان نعت بالفساد قبل أن يخلق وهناك آيات عديدة نذكر منها ما جاء في سورة البقرة لقوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون.

 

فالتفسير اللغوي لا يكفي لإدراك ما تنطوي عليه الآية الكريمة، وقد خاض المفسرون في تفسيرها، لكن لم ندرك في هذه التفاسير شيئا يتناسب مع التعبير القرآني، الذي ليس لغة كما يظن الناس، ومن يتصفح كتب التفسير يجد تعريضا شاسعا. إلى حد أن بعض التفاسير جاءت بسبعة عشر مسألة في الموضوع كلها دنيوية المضمون والمعنى.

 

إذ تعرب ظرف زمان وتدخل على الماضي والمضارع، وإذ تستعمل للماضي ولو أنها تدخل على المضارع، وإذا دخلت على المضارع فهي تصف حدثا في الماضي، وتعني أن الفعل تم وانقضى، وهناك أمثلة عديدة في القرآن تصف أحداث عديدة مضت وانتهت. ومنها قوله تعالى إذ يمكر بك الذين كفروا ليخرجوك  وقوله عز وجل ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه  وقوله تعالى إذ جاؤوكم من أسفل منكم ومن فوقكم وقوله عز وجل  إذ تقول للمؤمنين ألم يكفيكم أن يمدكم ربكم. وكل هذه الأحداث مضت وانقرضت وتمت كما جاء في كتب السيرة.

 

 وإذا تفيد الاستقبال والأحداث التي لم تتم بعد، ولذلك نجد أن كل ما يخبر عن قيام الساعة، وعن يوم القيامة استعملت فبه إذا. ومنها قوله سبحانه وتعالى:  إذا السماء انشقت. أو قوله عز وجل:  إذا جاء وعد الآخرة. وقوله سبحانه وتعالى   إذا السماء انفطرت  وقوله تبارك وتعالى:  حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها... ا

 

واستعمال اسم الفاعل بالتنوين يفيد الاستقبال الذي لم يتم بعد، والذي قد يتم حالا. واسم الفاعل بغير التنوين يفيد الماضي. فقولك أنا قاطع هذه الشجرة، بدون تنوين، يعني أنك قد قطعتها، أما قولك أنا قاطع هذه الشجرة، بالتنوين يعني أنك لم تقطعها بعد. فالتعبير بجاعل يعني أن الله لما أخبر الملائكة لم يكن خلق آدم بعد، لكن يمكن أن يتم الخلق حالا بعد انتهاء الخبر. ولذلك لم يستعمل الله الاستقبال بالسين  سأخلق.

 

فالقول جاء بجعل، وليس بخلق، لما يريده الله بالمعنى القرآني، والكلمة في القرآن ليست كأية كلمة في النصوص اللغوية، وإنما تستعمل لحكمة ربانية تتفق مع السنة الكونية التي استعملت لها. ففعل جعل يشمل الخلق المادي أو العضوي للإنسان والغاية أو الحكمة التي خلق لها الإنسان. فلو جاء التعبير بالخلق كما نجد في آيات عديدة، لاكتفينا بوجود الإنسان كسائر المخلوقات الأخرى، وليس هناك ما يخصه الله به. لكن لما جاء التعبير القرآني بجعل، فهذا يعني خلق الإنسان وتنصيبه سيدا في الأرض، مكرما كما سبق ذكره ومفضلا كذلك على كل المخلوقات، وسخر له كل شيء في الكون.

 

ولفعل جعل عدة معاني نذكر منها سبعة: يأتي فعل جعل بمعنى خلق وصنع وأوجد لقوله تعالى: وجعل لكم من أنفسكم أزواجا. وكذلك قوله تعالى: فاجعل لي يا هامان صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى: وقوله تعالى: جعل لكم الجبال أكنانا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها. وتأتي بمعنى صير من حال إلى حال نحو قوله تعالى:  فجعلناه هباءا منبثا:  وبمعنى وضع نحو قوله تعالى:  جعل السقاية في رحل أخيه: ووكل أو أعطى الأمر نحو قوله تعالى:  فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم ردما:  ونصب أو ولى نحو قوله تعالى:  يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى.

 

والمعنى الذي يؤخذ به في سياق الآية الكريمة هو الخلق والتنصيب، ولفظ الخليفة، لا يعني ما نعنيه نحن بالخليفة، لأن هذا ليس من قبيل الله سبحانه وتعالى، وإنما يراد بها الاستخلاف أو الخلفة، وتشير أينما وجدت في القرآن إلى المتاع، وتتعلق دائما بالجانب المادي الدنيوي، ولا تتعلق بالأحكام  لأن المعنى يقتصر على ما يتعلق بالإنسان، كقوله تعالى: وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه. وهذا الاستخلاف يكون في الملكية والكسب وقوله تعالى في سورة  وجعلناكم خلائف من بعدهم لننظر كيف تعملون وتعني في هذه الآية الكريمة تعاقب الأجيال من بني الإنسان أو بقاء العنصر البشري وقوله تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات بمعنى الجيل وقوله تعالى وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من خوفهم أمنا  فهنا نعود إلى الاستخلاف كذلك. وهذا المعنى المادي يعني انتقال المتاع من شخص لآخر، وهكذا تجري سنة الحياة على البشر. فمن يملك قصرا سوف يتركه لمن بعده وهذا لمن بعده إلا أن تتلاشى الأنساب، فلا يعد يعرف لمن كان. وهذا ما حدث للأمم التي سادت قبلنا.

 

وفي رد الملائكة على الله سبحانه وتعالى بتعبير من نفس الجنس أي قالوا أتجعل فيها وهو نفس المعنى لفعل جعل، لكن ما حير العلماء، هو كيف ترد الملائكة على الله بالقول بما لا تعلم، وكيف علمت أن الإنسان سيكون مفسدا في الأرض، ودققت في هذا الفساد لتبين القتل، وهو ليس كأي فساد في الأرض. وهنا كذلك يخوض المفسرون في هذه الآية ودائما لغويا، وليس علميا وتشبتهم بالمعنى اللغوي، وكل ما جاء في الشعر الجاهلي من ألفاظ لمعرفة المعاني التي تقترب من المعنى المراد. وهذا كذلك لا يليق بجلال الله سبحانه وتعالى، أن ننظر في الشعر  الجاهلي ثم نفسر القرآن، وهو ما جعل هذا الكتاب العظيم يفقد من وزنه ومن عظمته.

 

وإذا أخذنا المعنى القرآني على مستواه الذي يليق بمن أنزله سبحانه وتعالى، نجد أن التفسير اللغوي غير كافي لفهم الغاية القرآنية، ونعود لنعرف لماذا قرنت الملائكة الفساد بالقتل، وليس أي قتل بل سفك الدماء. وسفك الدماء لا يكون بالسهولة التي يتصورها المرء، وإنما يبين أسمى آيات الظلم والكفر والقهر، وأسمى أوجه الحيوانية والوحشية. ولنتتبع كيف بدأ القتل، ومتى وهو ما يشد لمعرفة التعبير القرآني الحق، الذي يسمو عن التعابير البشرية. بدأ القتل أو إراقة الدم البشري على عهد سيدنا آدم عليه السلام باقتتال ابنيه كما جاء في سورة المائدة  واتلوا عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين. ونجد آيات كثيرة تخبر بالقتل عبر العصور الأولى. فعلى عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام يقول تعالى في سورة البقرة، بشأن النمرود بن كنعان، الذي تجبر في الأرض، وأخذ يقتل من يشاء ويبقي من يشاء ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن أتاه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت. وعلى عهد سيدنا موسى عليه السلام يقول سبحانه وتعالى في سورة القصص، في شأن فرعون الذي لازال المثل الأعلى في الجبروث والطغيان: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم إنه كان من المفسدين. فالقتل هو كما قلنا أكبر فساد، وهذا الفساد بدأ مع الإنسان في الأرض، إلى يومنا هذا فلا يزال على بشاعته ووحشيته، رغم ما يزعم الإنسان من مراعاة الحقوق، ورغم  المواثيق الدولية أو ما شابه هذا الشرع البشري.

 

ليس القتل الذي ساد البشرية في العصور الغابرة، أكثر بشاعة من القتل الذي تتعرض له البشرية الآن في عصر التقدم العلمي، بل لا نقول التقدم الحضاري. وإذا تدبرنا المعنى القرآني، وليس اللغوي أو الأدبي، نجد أن الفساد الذي جاء في الآية ليس أي فساد، وإنما هو محمول على سفك الدماء، والواو واو العطف للتفسير وهو قوله تعالى: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. والفساد يؤدي دائما إلى القتل أو الهلاك، إما مباشرة كالحروب، وإما بطريقة غير مباشرة كالتسمم والتلوث والمخدرات والمواد الكيماوية والمشعة، وما إلى ذلك من التصرفات البشرية القاتلة في جميع الأحوال.

 

ولا يسعنا أن نجري كل ما يؤدي إلى القتل في العصر الحاضر، فالأمثلة كثيرة ومعروفة ولو أن هناك تعتيم في شأن الإخبار بها. لكن هناك جمعيات مثل  جمعيات حماية المستهلك أو الجمعيات الخضراء بجميع فروعها، أصبحت الآن تبحث عن حقيقة أسباب الفساد في العالم. فالفساد المرتبط بسفك الدماء يتجلى في الحروب، وأكثرها بالبلدان الفقيرة، لكن بأسلحة البلدان المصنعة. ولم نعد نسمع  إلا أعداد القتلى، ونعطي مسحا عاما وهو لا يستثني أي بلد، فالقتل بالحرب أو بالسرطان، يبقى بنفس السبب، لكن الموت في الحرب خير من الموت بالسرطان.

 

كم قتل في أمريكا إبان اقتتال البيض مع السود أو حرب الانفصال، وكم قتل في الفييتنام والكمبودج والدول المجاورة أتناء الاعتداء الأمريكي. وكم قتل في أوروبا إبان الحرب العالمية الأولى والثانية. وكم قتل ولازال في ارلندا من أجل التحرير، وكم قتل بالهند لأسباب دينية أو فصائلية. وكم قتل بدول افريقيا السوداء بما في ذلك رواندا والكونغو وزمبابوي ونيجيريا وافريقيا الجنوبية حيث ظهر المعنى الحقيقي لسفك دماء البشر. وكم قتل بالاتحاد السوفييتي سابقا تحت وطأة الشيوعية، وكم قتل بالأمس القريب بيوغوزلافيا سابقا، حيث سفكت دماء المسلمين بالبوسنة والهرزك على مرئى ومسمع من المنتظم الدولي، وعلى مرئى ومسمع من الدول المسلمة كذلك، وأظهرت البشرية المثل الأعلى في سفك الدماء، ولا يزال القتل جاريا في دول البلقان. وكم قتل في فلسطين أرض المسجد الأقصى، وكم قتل في إريتيريا، لما أباد الشيوعيون المسلمين عن آخرهم، وكان الحرق من بين أوجه القتل، وهو أكثر من السفك. وكم قتل بدول أمريكا اللاتينية شيلي وسالفادور في حرب الإيديولوجيات. وكم قتل في اليابان على إثر ضربة هيروشيما بالقنبلة الذرية. وكم قتل بالعراق أتناء حرب الخليج وإلى اليوم، ولا يزال الفساد ساريا في هذا البلد من جراء الأسلحة الكيماوية، وقد ظهر الفساد في هذه الحالة في أسمى حلة من الظلم والقهر، ومن يتكلم عن عصر التقدم والعلم والحضارة الكاذبة، فله أن يخجل من حالة العراق الذي أبيد أهله، والباقون يعانون من اللوكيميا أو سرطان الدم. هذه الحالة التي ذكرنا ربما تنسي حالات أخرى أكثر بشاعة وظلما وقهرا في عصر الأنترنت.

 

لقد نعتت الملائكة الإنسان بالفساد، وقرنت هذا الفساد بسفك الدماء، وكأنما كل الفساد متصل بالقتل، إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، لأن كل فساد في الأرض يؤدي إلى الخراب والدمار، وكل فساد في الأرض يخل بصحة الإنسان، وبالتالي يقود إلى الموت إما عاجلا كالحروب، أو آجلا كالحالات المرضية المزمنة التي تؤول أخيرا إلى الموت. وقد اختلف العلماء في تفسير الفساد في القرآن. ولا يمكن أن نخوض في اللغة لنفتن القارئ عن المعنى الظاهر للفساد،. إن كلمة فساد معلومة ومعهودة عند العرب، ولا تحتاج إلى تأويل بتاتا. والفساد معلوم في اللغة وهو كل ما عاكس الصلاح بصفة عامة.

 

ربما يصل البشر إلى درجة راقية من الماديات أو المتاع، كما يعبر عنه القرآن الكريم، لكن الوصول إلى درجة راقية من حيث الصلاح وهو على ما هو عليه فلا. إن الحياة البشرية كما أسلفنا القول عرفت ،على مر العصور، هذا الفساد في أقصى حده الوحشي، ولم تتمكن من التخلص منه إلا بالعقيدة. ونرى أن الإسلام قد جاء بالسعادة للبشر، وجاء بشرع الله الذي لا يصيبه الباطل. وساد العدل في وقت لم يعد الناس يخشون إلا الذئب على غنمهم، وأحسوا حقا بالسعادة، فتقدم العالم نحو الازدهار والتمدن والحضارة الحقيقية، من خلال ما وصل إليه علماء الإسلام في جميع الميادين من معمار وزراعة وصناعة وطب وهندسة وفلك. ومند ذلك الوقت أعطيت الانطلاقة نحو التقدم والمجد. ويعتبر عصر الإسلام، العصر الوحيد في تاريخ البشرية الذي عرف استقرارا حقيقيا وتقدما حضاريا حقيقيا.

 

وكلما ابتعد الإنسان عن الشريعة، كلما زاد شقائه واشتدت محنته، وليس هناك ما يضمن للإنسان حريته وسعادته الحقيقية ومأمنه، إلا في ضل الإسلام. وهذه هي الحقيقة التي لازالت تخفى عن الناس، أو تشوه أو تنقل بطريقة كاذبة. ولو علم الناس ما فيها من القيم الروحية والسعادة الحقيقية والرقي والمجد والحضارة لسارعوا إليها. ولن تعرف البشرية استقرارا، ولن تعرف سعادة في حياتها، إلا إذا رجعت إلى الطريق الصحيح والمنهاج السليم والعقيدة الصحيحة والدين الحق. ولقد بدأت معالم الإسلام تظهر جليا للناس، بعدما ضببها الملحدون والحاقدون على البشرية، وبعدما حاولوا إخفاءها بالكذب، وبعدما رسخوا للناس صورة سوداء على الإسلام بالإعلام الكاذب والتعليم الفاسد، رغم أننا لا نلومهم على ذلك، لأن القومية لا تنشط إلا في البلدان الإسلامية. وليس هناك حل لإخراج البشرية من الظلم والمحنة والكذب إلا الإسلام، وليس من يخاف الله كمن يخاف القانون.

 

فالعقيدة لما تحرم على البشر فعل شيء، إنما يكون عن اقتناع وطواعية، ويكون تلقائيا بدون مراقبة أو حراسة. لأن الذي شرعها قادر على المراقبة والحراسة. فالذي يعلم أن الله لا يخفى عليه شيء، كما جاء في القرآن الكريم لقوله تعالى في سورة طه: وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى وفي سورة الملك: وأسرو قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور وقوله في سورة غافر  يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ويقول في سورة المؤمنون: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق ويقول في سورة يونس: وما تكون في شانه وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. وفي سورة سبأ: يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج وينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور وقال الذين كفروا لا تاتينكم الساعة قل بلى وربي لتاتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ويقول في سورة الأنعام: وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.

 

إن الامتناع عن الفساد في الأرض، بجميع أوجهه، بدافع الإيمان والعقيدة، ليس كمن يخاف قانونا وضعيا وضيعا من وحي البشر. فدافع الإيمان يجعل الشخص يمتنع امتثالا لله سبحانه وتعالى وليس خوفا من المراقبة. والحل ليس في الزجر أو الردع، وإنما في استأصال المشكل كليا.. إن البشر لا يمكن أن يتحكم في بشر من جنسه، ويظهر حاليا أن الإنسان عاجز عن تسيير نفسه، وعاجز عن ضبط أموره، وليس هذا العنف الحاصل والذي يزداد يوما عن يوم،  إلا حالة من عدم القدرة على تدبير البشر. ولعل الحالة التي وصل إليها القتل في العصر الحاضر من أحسن الاستدلالات على العجز الحاصل في إرضاء الإنسان، وانعدام السعادة الحقيقية. ولا يزال القتل باقيا إلا أن يحس الإنسان بالسبب ويرجع إلى العقيدة. هكذا أراد الله الإنسان أن يعيش مكرما ومعززا ومفضلا على جميع المخلوقات الأخرى. سيجد آنذاك الحل السهل والنهائي لكل معوقات الحياة ومعضلاتها ومشاكلها، كيفما كانت بيئية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أخلاقية.

 

 

ونجد فيٍ آية أخرى في سورة الروم: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. ليس هناك تفسير كامل ودقيق لهذه الآية في كتب التفسير، والمعنى الذي جاءت به الآية لا يمكن أن