البيئة في الإسلام
خلق الكون وتوازنه
إن النظريات العلمية القائمة حاليا، تكاد تجمع على أن المجموعات النجمية ومنها المجموعة الشمسية التي تضم الشمس وتوابعها من الكواكب كالأرض والقمر، كانت سديما ثم انفصلت أو فتقت وأخذت أشكال الكواكب التي نعلمها الآن، بشكلها الكروي المعهود. وإذا صحت هذه النظريات فإن السماوات والأرض كانتا قطعة واحدة ثم انفصلتا. وتظل هذه الاحتمالات العلمية قيد الصواب والخطأ على حد سواء، لأن إدراك الإنسان لا يصل مكانا ولا زمانا إلى الحقيقة العلمية عبر التجربة أو الكشف. فمكانا لأن الكون لا متناهي، ولا يمكن أن نراقبه من الأرض التي هي نقطة في هذا الكون، وزمانا لأننا لا يمكن أن نفسر الآن ما حدث منذ ملايين السنين.
ولهذا فمنطقيا وعلميا إذا كانت الأرض انفصلت عن السماء داخل المجموعة الشمسية، فإن حرارتها كانت تقدر ب 12000 درجة فارنايت على حد زعم بعض الموسوعات العلمية كالموسوعة البريطانية. وهذه الحرارة المفرطة لا تسمح بوجود مواد عضوية ولا بوجود أي شكل من الأشكال الكيماوية، ماعدا الغازات أو العناصر الكيماوية الحرة. وإذا كان وجود المواد العضوية يستحيل تحت هذه الحرارة فلا يمكن أن نتكلم عن الحياة.
إن الأرض لما فتقت كانت مشتعلة، ولكي تكون عليها حياة كان يجب عليها أن تبرد أولا ثم بوجود الماء على أشكاله الثلاثة سائل وبخار وثلج لتلعب عملية المياه على سطحها دور مصدر الحياة، أو وجود كل الأحياء التي نعلمها الآن. ونعلم أن عملية التبريد ترتبط بالخصائص االفيزيائية للسائل المبرد. ذلك أن الهواء يبرد الأشياء بسرعة أقل من سرعة التبريد بالماء. لأن هذا الأخير يمتص الحرارة أكثر من الهواء. ونعلم كذلك من الناحية الكيماوية، أن جزيئة الماء تتكون من ذرتي هايدروجين مرتبطتين مع ذرة أوكسايجين. وتتحد ذرتي الهايدروجين مع ذرة الأوكسايجن تحت حرارة تفوق 3618 درجة فارنايت لتعطي جزيئة الماء، وكل هذه الشروط كانت متوفرة ليتكون الماء في الفضاء، لأن كل العناصر الكيماوية كانت موجودة على شكل غازات وكانت كذلك موجودة بكثرة، فاتحدت ذرات الهايدروجين مع ذرات الأوكساجين فتكون الماء بكمية هائلة حيث نشأت المحيطات الفضائية، وهذه لبمحيطات هي التي ستبرد الأرض إلى درجة حرارية تسمح بوجود الماء السائل على سطحها، فتستقر آنذاك المحيطاتعلى الأرض كما نعهدها الآن.
وحدث بعد هذا، حسب الوصف العلمي، أن أخذت الأرض تبرد تدريجيا حيث استغرقت العملية مليارين من السنين، وقد قدر العلماء هذه المدة بطريقة التحليل الإشعاعي للعناصر المشعة لدراسة تاريخ أو عمر الأرض. ثم بعدما بردت الأرض، انخفضت الحرارة إلى مستوى يسمح بوجود المواد العضوية أو الحية. ولكي تبرد الأرض وتشقق الصخور غرانيت، بزالت الخ... ، لتصبح تربة قابلة وصالحة للنبات، كان لابد من نزول الماء على صطحها، حيث يعمل مع الهواء على تحويل الصخور إلى تربة بتفتيتها والتسرب من خلالها. ولم تظهر الحياة على الأرض إلا بعد نزول الماء، وجريان التفاعلات الكيماوية القاضية بتحول بعض المركبات المعدنية، لأن المادة العضوية لم تكن خلقت بعد. وحيت تهيأ الوسط، واعتدل الجو، وتوفر الماء على سطح الأرض، ظهر ما عبر عنه العلماء بالحياة المائية، وذهب بعض العلماء إلى تطابق هذا الطرح مع ما جاء في القرآن بخصوص الماء. إلا أن هذا التفسير، يضل ضيقا ومحدودا بالنسبة لما جاءت به الآية الكريمة التي تخص الحياة بجميع أشكالها، وهو ما يسمو بكثير عن التفسير العلمي البحث.
الوصف القرآني والتقارب مع العلوم
ونعود إلى الوصف القرآني، لنرى الحقيقة من الذي خلق هذا الكون وهو أعلم بخلقه من البشر، وأغلب ما جاءت به العلوم حول تكون الأرض، ما هو إلا تصور محدود لعقل محدود، ولا يغني التصور عن الحق شيئا، بل يمكن أن نستقي الحقيقة من القرآن فنفهم بعلم ويقين.
وقبل أن نتكلم عن كل المخلوقات النباتية والحيوانات والمتعضيات والجراثيم وما إلى ذلك، يجب أن ننظر إلى المراحل التي تكونت فيها الأرض كما جاء في القرآن.. إن أول آية تصف خلق الأرض هي قوله عز وجل في سورة الأنبياء: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)
إن الأوصاف التي جاءت في القرآن بشأن خلق الكون، لا تتطرق إلى الجزئيات ولا تتقيد بالمادة، وإنما هي إيحاءات تجعل من القرآن أسلوبا واضحا وشاملا لجميع أنواع البشر، من البدوي في الصحراء إلى العالم الباحث في مختبره. ولهذا فهي تعتمد على ما تسهل الحجة به مباشرة دون الاستدلال بالأبحاث العلمية، ولذلك نجد في لغة القرآن "ألم تر أو أولم ير أو بصيغة الجمع ألم يروا أو ألم تروا. فهذا الخطاب يجعل الشخص يقر بالحقيقة المشاهدة والمعروفة، والتي لا تحتاج إلى آلة، وفي نفس الوقت يأتي الخطاب للعالم، الذي يرى أكثر ما يراه الإنسان العادي بآلاته وبأبحاثه وما إلى ذلك، ويجد كل الناس ما يريدونه في القرآن رغم مستوياتهم المتباينة.
إن الرتق والفتق في هذه الآية يحددان مرحلتين سابقتين لظهور الحياة، وإذا تأملنا هذه الآية نجد أن الله يذكر الماء والحياة في آية واحدة مع فتق الأرض. قد يظهر لنا أن لا علاقة للماء بفتق الأرض عن السماء. ذكر الماء وفتق الأرض في آية واحدة، وسياق واحد يجعل أطراف الآية تصف حدثين مختلفين تمام الاختلاف عن بعضهما من حيث الخلق، لكن السياق القرآني يصف أشياء لها علاقة كونية تابثة قد نعلمها وقد لا نعلمها بالوسائل العلمية، لكن علم الله لا يحتاج إلى آلة. ولا يمكن فهم الآية بالبلاغة اللغوية، بل يستحيل تفسير ذكر الماء مع فتق الأرض عن السماء من منطلق لغوي، وهذا ما جعل القرآن يظهر لبعض الناس بشكل غريب. لكن إذا ما علمنا أن القرآن تعبير الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن نتجاهل الوصف لهذين الحدتين. لأن ذكرهما في سياق واحد يدل على العلاقة بينهما. وسنرى بطريقة علمية كيف يرتبط فتق السماوات والأرض بوجود الماء، وربط الحياة بالماء في آن واحد، ليتضح للناس الوصف الحقيقي من خلال الوحي، ولهذا قلنا في البداية أن الله وصف حدتين مختلفين في نفس الآية، وهما فتق الأرض وجعل الحياة من الماء. كيف يذكر القرآن الماء مع حرارة 12000 درجة فارنايت التي هي حرارة فتق الأرض، مع العلم أن هذه الحرارة تفوق حرارة انصهار المعادن.
إن الخطاب موجه في هذه الآية للكفار، وهذا أمر له كذلك دلالته لأن فيه تحدي وخضوع للحقيقة التي لا يمكن إنكارها. وإذا كان الخطاب موجه للذي ينكر وينفي ما جاء به القرآن، فإن الحجة والدليل يجب أن يكونا لا رجعة فيهما ولا أدنى شك، حتى يعترف المنكر الجاحد، ولهذا تنتهي الآية الكريمة بالإيمان "أفلا يؤمنون" وبما أن الخطاب كان يخص الكفار، فكان يجب أن يأتي بقوة لينهزم الكفر. ولما تناولت الآية مستوى عال من العلوم الكونية، والتي ربما لا يمكن أن تكون في متناول البشر، وبينت شيئا معجزا فكان هذا درسا يقود الكافر، الذي ربما يكون عالما من علماء الكون جاهلا أو جاحدا بالعقيدة، إلى الإيمان بالله الذي خلق هذا الكون. ويبقى هذا الخطاب جاريا، بل أصبح أكثر أهمية في عصر العلوم الذي ربما يزيد من إعجاز القرآن ومعجزته المتجددة في كل زمان ومكان. وهذا الطباق اللغوي جاء ليعلمنا أن الذي يخوض في العلوم لما يتوصل إلى فهم عظمة الخلق، ينتهي بالاعتراف بالحقيقة فيؤمن، وإلا فهو جاحد للحقيقة العلمية التي تجعله يصل إلى حقيقة الإيمان. ولا يزال هذا الإعجاز الخارق قائما على مدى العصور.
جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، أن الرتق هو الالتصاق أو الانضمام أو الاتصال بمعنى أن شيئين يكونان رتقا أي لما يكونان شيئا واحدا. والرتق هو عكس الفتق الذي هو فصل الأشياء وجعلها مستقلة، وهذا يؤدي إلى الفهم بأن السموات والأرض كانتا ملتزقتين متصلتين أو كانتا شيئا واحدا، فتمت عملية الفتق بمعنى الفصل والعزل ففتقت الأرض عن السماء بمعنى فصلت عنها فأصبحت مستقلة ومعزولة.
وبما أن الأرض كانت مشتعلة، فإن تبريدها جعل سطحها صلبا ومتجعدا لأنه يتكون من الصخور المنصهرة التي بردت كالبازالت والكرانيت. وبفعل الماء والهواء تشققت الصخور وأعطت تربة بنسب مختلفة من العناصر المكونة لها وهي الرمل والطين والكلس. وبعد تشقق الصخور وتكون التربة تهيأت الأرض بإذن ربها لاستقبال الحياة على سطحها. وهنا نصل إلى حقيقة ذكر الماء الذي هو أصل الحياة مع فتق الأرض في نفس الآية.
ونجد كذلك بعضا من هذا الوصف، الذي يدل على كثرة نزول الماء على سطح الأرض لتبرد، كما جاء في سورة عبس لقوله تعالى: فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا
ونقول صب الماء، إذا أفرغه بكثرة، ويقترن كذلك الخطاب بالمفعول المطلق، لبيان مدى وقوع الفعل. .إن معنى كلمة صب الماء بالخطاب