بسم الله الرحمان الرحيم بسم الله الرحمان الرحيم

 

التشريع الغذائي في القرآن والسنة

 

وجه آخر من الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يشمل علم الاجتماع وعلم التغذية

 

 

تقديم

بعد مرور أزيد من أربعة عشر قرنا على القرآن، لم نتمكن إلى حد الآن من تناوله بالدراسة العلمية، ليس الجانب العلمي المحض الذي يخص العلوم الحقة، أو العلوم الكونية، أو العلوم الحسية، ولكن العلوم التربوية والاجتماعية والإنسانية، وهذا هو وجه الإعجاز للقرآن، لأنه ليس هناك مستوى نابغ لهذه العلوم، لنتناول بالدراسة والبحث، ما جاء في القرآن بخصوص هذه العلوم. ولنا أن نقارب بين الظروف التي نزل فيها القرآن، إذ كانت البشرية على جاهليتها، لكن كانت على عصبيتها وتحيزها وتميزها، وكانت على وجاهتها اللغوية والعرفية والقبلية. وقد تمكن الإسلام من احتواء هذا الوضع بسهولة، وبدون عنف، وبدون عصبية، وهو الأمر الذي يخالف كل الطروحات التي نسبت العنف للإسلام، وأنه ظهر بالسيف، بل العكس هو الصحيح، فالإسلام رد السيوف إلى أغمدتها، وأمن الضعيف ونصف المظلوم كما سنرى بالتحليل. وأول ما بدأ به القرآن الإعجاز اللغوي، لأن العرب أصحاب فصاحة وبلاغة وأصحاب شعر، ولم تكن الكتابة ذات أهمية، بل كان الحفظ هو الأصل، وكانت تلقائية الشعر في شفويته وعفويته، فانبهر الشعراء للتعبير القرآني، وانبهر أصحاب الأعراف والجاه لتربية القرآن، وانبهر رجال الدين للتشريع القرآني، وانبهر المؤرخون لسرد الأحداث في القرآن. وكل هذه الأشياء بسهولة وليونة، ودون تعصب، ولا عنف، وبدون قوة، لأن الخطاب بدأ بتربية النفس، وبدأ بصرف الأنظار إلى الآخرة، وركز القرآن على الآخرة وهو يصفها بمشاهد تتلاءم مع عقول الناس، ومع لغاتهم، وما اعتادوا في حياتهم اليومية. وهو يعلمهم بتدرج وسهولة وبعقل وبحكمة، دون أن يعيب عليهم أفعالهم بالسخرية، وإنما كان هناك أسلوب ومنهاج، جعل هذا الإنسان يصحى وينتبه ويستخدم عقله، وهي النقطة التربوية المهمة، التي تحداها القرآن في المرحلة المكية، وقد كان الوقع شديدا على عرب قريش، وهم سادة شبه الجزيرة وأصحاب عصبية، لأنهم حول الكعبة التي كان يحج إليها الناس من كل مكان.

 

وقبل أن نتطرق إلى النصوص المتعلقة بالتحريم، وهي النصوص اللفظية التي جاءت في سورة المائدة، لابد أن نتطرق إلى الجانب التربوي. ففي كل المشاهد التي يصف فيها القرآن الشرع  الإلهي، الذي سيبقى مع البشر إلى يوم القيامة، نجد الإعداد النفسي لهذا الشرع، فيتدخل الطب النفسي، ليجعل هذا الإنسان العادي الجاهل ينهض ويتعلم ويتقوى، بعدما أضنته الجاهلية، وحطمت معنوياته بظلمها. وفي هذه الآية التي جاءت ضمن القرآن المكي، وهو قرآن المبادئ والأسس التي ستؤدي إلى شخصية قوية واعية صحيحة، هذه الشخصية التي كانت مدمنة على الفساد، تستيقظ وتعي كل الوعي حقيقة الأمور، فيبدأ القرآن بالدرس الأول، درس القيم والوعي، فيعرف القياس الذي يفرق بين ما تقبله النفس بالفطرة وما ترفضه بين الحسن والقبيح، أو بين الخبيث والطيب لقوله تعالى في سورة الأعراف: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

 

وهذه الخصال التي جاءت في هذه الآية هي من باب التربية والتحسيس، وجاءت بأشياء أصلية وفطرية، تقبلها النفس بالفطرة، وأخرى ترفضها النفس كذلك بالفطرة، فالخطاب في الآية "يحرم عليهم الخبائث ويحل لهم الطيبات"، يعيد الأمور إلى نصابها، فاقتران الخبيث بالتحريم مقبول للعلة والفطرة، وإحلال الطيب مقبول كذلك للعلة والفطرة. والمنطق والموضوعية سيجعلان الشرع الذي سيأتي بالتحريم فيما بعد مقبولا ومعمولا به، فالإنسان الذي تعلم وعرف الخبيث والطيب، سيختار لنفسه الطيب، وسيحرم هو على نفسه الخبيث.

 

هكذا جاء الإسلام معجزا في كل أساليبه، وفي كل تعاليمه، وفي كل أحكامه. فهل هناك من الحضارات السابقة للإسلام من نهجت هذا النهج بدون تعصب؟ كلا ! فالإسلام هو النظام الوحيد الذي رسخ أسسه بالتربية، وعلى أمد طويل، استغرق 23 سنة، وليس يوما أو شهرا، ورسخ الشرع بطريقة تربوية، بعدما بدأ بالتشخيص السايكلوجي، وبعدما أدخل البشرية إلى عيادة الطب النفسي لمدة 13 سنة، تلقى فيها المجتمع أحسن وألطف علاج، لعدة شوائب وأمراض اجتماعية كانت قد أصبحت في ذلك الوقت هي الأصل، وأنقذه من الهلاك، وأخرجه من الضلال.

 

وتعتبر هذه الآية من سورة الأعراف، قاعدة عامة لكل حلال أو حرام، قبل أن نصل إلى الآيات التي تفيد التفصيل، وتزكي كل العلل التي يحرم من أجلها حرام، أو يحل من أجلها حلال، وتعتبر كذلك هذه الآية علمية من حيث المقصود والغاية، لأن القواعد الصحية الحديثة تمنع كل ما يؤدي الجسم وتصنفه خبيثا، وتوصي بكل ما ينفع الجسم وهو الطيب. وإذا انطلقنا من هذه القاعدة، فلا نختلف في الحلال والحرام من حيث العلل، إذا كان من الممكن أن تبين العلوم ذلك، وإلا فيجب أن نأخذ بالشرع في الحلال والحرام، لتعذر الأمر على العلوم، ونقصها وضعفها وعجزها، على تبيان الضرر والمنفعة في المواد الغذائية والمشروبات. وقد تكون النتائج العلمية غير واضحة في بعض الوقائع، ولذلك فالمسلم يطمئن لشرع الله، ويمتثل لأمره سبحانه، فلا يقرب الحرام لأنه خبيث ومضر، ولا يقرب إلا الحلال لأنه طيب، ولا يسأل عن هذه الأشياء لأن الامتثال طاعة لله ورسوله ، والطاعة درجة عالية في العبادة.

 

 نقض الشرع الجاهلي

إن بعضا من الأنعام كان محرما في الجاهلية بزعم الكفار، وكان هذا التحريم حسب شرع الإنسان وهواه، وليس من عند الله. ونجد أن هذا الموضوع، الذي يهتم بتحريم الحلال وإباحة الحرام، يتناوله القرآن من ناحيته العضوية، وكذلك من ناحيته النفسية، أو الاجتماعية، حيث يرفع الله سبحانه وتعالى التحريم عن الأنواع التي حرمها الشارع الجاهلي بزعمه وظنه ووهمه. ومن المعجزات الكبيرة للقرآن، صحة علمه، وبيان حجته، من حيث تظل الحقيقة القرآنية ثابتة، والتي تظهر عبر العصور، وعبر التقدم العلمي والكشوفات، ولو يطول الأمد. وكلما ظهرت حقيقة علمية زادت حجة القرآن، وتأكدت صحته، مما يجعل المضللين في حرج. ونرى الآن أن هذه الاكتشافات العلمية الحديثة أخذت تزيح الضباب عن الحقيقة القرآنية، وبعدما استخدم المضللون والملحدون العلوم لضرب الدين، فإن هذه العلوم نفسها هي التي تقود الآن الدعوة إلى الله، و هذا المكر قد رجع لأصحابه، فهل ستخالف العلوم سنة الله يوما؟  كلا !

 

فبدأ القرآن بإخراج الإنسان من التضليلات البشرية، وتصحيح ما كان يعيش فيه وعليه من افتراء رجال الدين، فتناول الأشياء التي يسهل قبولها، والتي كان يحس المرء فيها بشيء من الظلم، ومن التلاعب والاستهتار البشري. وهذا الظلم والجور كان يمارس باسم الدين، وليس فيه أي شيء يذكر بالله، بل كل هذه الأحكام كانت مادية تتعلق بالحرث والكسب، وهي الأشياء التي كانت تمثل أسباب العيش آنذاك، ولم تكن لهذه الأشياء مبررات دينية، كوصفها بالزكاة، لأنها كانت تؤخذ من الفقراء للأغنياء، وتمنع على النساء والأطفال، بل حتى حق الشركاء كان يسرق. ولنتتبع هذا الشرع الجاهلي من خلال ما جاء في سورة الأنعام لقوله تعالى:  وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ

 

لآيمكن لهذا الخطاب ألا يلقى قبولا من لدن المجتمع الذي كان يعاني من الظلم التشريعي، ولذلك كان للخطاب القرآني صدى، وقد تطرق إلى الواقع الذي يعيشه المجتمع، وهو واقع مر يطبعه القهر والظلم.  فكانت الحاجة ماسة إلى أي تدخل يعالج هذه الآفات الاجتماعية، التي كانت جائرة تمارس من لدن رجال الدين باسم الشرع الإلهي، وهي أمور كان المجتمع الجاهلي يعيشها ، ويعيشها الإنسان الضعيف، الذي لا حول له ولا قوة، فكيف لا يقبل تصحيحها وتغييرها، وهي حقيقة يراها ويلمسها، ولا تحتاج إلى مبرر، فكان الخطاب سهل الوقع والقبول. وهكذا يبدأ القرآن في إعداد الشخصية وتربيتها، وإيقاظها من نومها، وإخراجها من ظلامها، وجعلها ترفض الظلم وتتنكر له.

 

وهذا المشهد الجائر الذي يفضحه الله في هذه الآية، ينقضه ويحطمه بسهولة، ويوقفه عبر التربية، من حيث يجعل الذي يمارس هذا الجور يتراجع، لأنه قد علم أن الذي يمارس عليه سيقوم ضده، وسيترتب عن هذا النقض بديل آخر يجعل كلي الجانبين يقبلان بهذا البديل، الجانب الأول يتمثل في الضعيف المظلوم، لأنه على تأهب، ولأنه يعاني من هذا التجاوز القاهر، والجانب الثاني يتمثل في القوي الذي فرض هذا الشرع ، لأنه افتضح أمره فإن لم يتراجع عن هذا الظلم، فمصيره الإقصاء معنويا والحساب ماديا. وهذا الموقف لا يحتمل التمادي ولا تنفع معه القوة والقهر.  

 

ويستمر الوحي بإصلاح الخلل عبر الاقتناع، والإقلاع الذاتي عن كل سلوك منحرف، بطريقة تربوية، تتكون فيها الشخصية المسلمة الصالحة، والتي ستقود المجتمع والبشرية جمعاء، لأنها ستقدر على تجاوز الظلم والجور، وستقدر على تفادي الشوائب، التي من شأنها أن تفسد المجتمع، وتقوض صرحه. ولنقف على هذه القوانين، التي شرعها هؤلاء وفرضوها على الناس، فلنتأمل سخافة التشريع البشري الذي ساد في العصر الجاهلي قبل مجيء الإسلام، وهو لا يقل سخافة عن التشريع الوضعي في عصرنا الحاضر. ولنرجع إلى ما جاء في القرآن الكريم بشأن هذه التشريعات التي وضعت من لدن رجال الدين أنفسهم ليقهروا عباد الله، ثم لنتمعن جيدا في هذه التشريعات التي كانت هي قوانين ذلك العصر، لنستفيد من الوحي ولنأخذ بالمرجع الصحيح الذي لا يمكن أن تفنده الكتابات التاريخية التي ترجع كل القوانين المنظمة للبشر تاريخيا إلى مراجع مغلوطة ومكذوبة كالفلسفة اليونانية، ومن جملة هذه القوانين ما وصفه العزيز الحكيم في سورة الأنعام لقوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ.

 

فهل هذا لا يجعل الإنسان يهزأ من هذه الأحكام؟ فبعدما حكموا وأقروا وهم الذين جعلوا النصيب لله والنصيب للشركاء، يعودون ليخالفوا الحكم الذي أقروه، فيأخذون نصيب الله إذا اختلط مع نصيب الشركاء، ولا يأخذون نصيب الشركاء إذا اختلط مع نصيب الله. أليس هذا الحكم ضحكا على البشرية وسخافة من لدن أصحاب الولاية، وهم رجال الدين. والشركاء في الآية حسب كتب التفسير)الجامع لأحكام القرآن للقرطبي( هم الآلهة، لكن ما يحظى بكل ما يعطى للآلهة هم رجال الدين. وأخيرا فنصيب الشركاء، لا يكون إلا نصيب رجال الدين من كهنة ورهبان وسدنة وما إلى ذلك   وقد كانوا هم الحكام أنفسهم.  

 

وقد وصلت بهم الجرأة إلى قتل أولادهم خوفا من أن يقتسموا معهم هذه الأشياء، وهو ما يجعل هذا الإنسان حقيرا مهينا همجيا. فبعد معضلة استيلاء رجال الدين والحكام على أموال الناس، ومصادرة حقوقهم، يتطرق القرآن إلى معضلة أخرى هي قتل الأولاد، وكان أشهرها في الجاهلية الوأد للبنات وقتل النذر. وهذا الوجه كذلك يبين الظلم الاجتماعي، لأن الوأد وصل في ذلك الوقت إلى أن أصبح عرفا اجتماعيا قاهرا لا مفر منه، وقد أثر في نفسية هذا الإنسان، الذي لم يكن ليقتل ابنه أو ابنته، ولكن الظروف الاجتماعية فرضت عليه هذه الجريمة، وقد زينت وبررت بتفادي العار، وقد يكون المبرر ماديا محضا، لأن الأولاد شركاء في النصيب، فإذا قتلوا خلا الجو، وبقي النصيب كله للأب، وطبعا فإن هذه الأشياء تضفى عليها الصبغة الدينية لتصبح إلزامية، ولتصبح عملا صالحا، يجزى عليه من قبل الله أو الآلهة، وهو ما جاء في الآية لقوله تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

 

نعم إنه لبس وغموض، لأنه ليس من الدين، ولو كان من الدين، لكان واضحا ومقبولا فطرة وعدلا، لأن الله عادل، ولا يمكن أن يفرض ظلما على العباد، فكيف تنسب إليه هذه الأشياء ؟ وتمارس باسمه. ربما يصل ظلم البشرية إلى أبشع حد، وليس هناك أبشع من القتل، لكنه لما يصل إلى قتل الأولاد فقد فات الحد الذي يمكن أن يتصوره البشر. وإذا كان وأد البنات لسبب معنوي فرضه المجتمع وهو العار حسب زعمهم، فإن قتل الأولاد الذكور يبقى ماديا محضا مخافة أن يضايقوهم في النصيب، وهذا اللبس كما جاء في الآية يبين ويعكس حقيقة المجتمع الفوضوي لأن الدين هو ما كان يحتمي به الناس فإذا أصبح أصحابه هم الظلام فكيف يكون هذا المجتمع.   

 

ثم يسرد القرآن الحالة الثالثة، التي كان الإنسان العادي البسيط يعيشها، ويعلم جورها وظلمها. لانعدام العلة، ولفرض شرع القوي على الضعيف، خصوصا لما يكون باسم الدين. ويعرض الله في الآية الثالثة افتراء الشرع الجاهلي، والتلاعب والاستبداد والاستخفاف، وهو ما جاء في قوله تعالى: وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون

 

وهذه الحالة التي يتعرض فيها الإنسان إلى قوانين القوي، التي تفرض عليه باسم الدين، جعلته ينتظر بفارغ الصبر كل ما ينبذها وينقضها ويلغيها، لأنه هو الذي يعلمها ويعيشها، ولذلك تناولها القرآن، ليكون أول ما يبدأ به سهلا منطقيا مقبولا، ولأن الإحساس بالظلم يجعل الإنسان في حالة تأهب، كما أن حالته النفسية تكون على أتم استعداد لرفع الحيف والجور، وكل هذه الأعراف الجاهلية الجائرة، كانت تمارس من قبل من لهم القدرة على ممارستها، وهم الكهنة والسدنة من رجال الدين والأعيان والحكام، وهو الوجه الأعلى للقهر. والإنسان بطبعه الاجتماعي، لا يكون إلا حاكما أو محكوما، وليس هناك طبقة ثالثة، وما كان يجمع الناس على الأرض للعيش هو الحرث والأنعام، وهي مصادر وأسباب العيش، التي درأ الناس عليها قبل نزول القرآن.

 

فأصبح المجتمع مريضا فاسدا، تتفشى فيه كل أسباب الانحلال، رغم أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك، نظرا لقلة العدد وتوفر أسباب العيش، وهذا الجور في التشريع البشري لا يختلف عن التشريع في العصر الحاضر، كما أنه سيكون أشر من حكم الجاهلية، فالمشرعون الذين جعلوا لله نصيبا، والذين قتلوا أولادهم، والذين جعلوا الأنعام والحرث حجرا، هم أقل شراسة من الذين يحاولون فرض العولمة في العصر الحاضر، وسيعود الشرع  نفسه الذي سيفرض على الضعيف من لدن القوي  إلا أن هذه المرة لن يكون الظلم والقهر باسم الدين وإنما باسم العلم.

 

ونقف عند سخافة التشريع البشري، وحماقته واستهتاره واستهزائه بالناس. لنرى كيف تعامل القرآن مع الشوائب الاجتماعية التي كانت سائدة، وليس من سبيل لتغييرها حتى أوشكت أن تهلك الإنسانية، ولذلك لما نزل القرآن كان ضروريا ومنطقيا أن يرد النصاب، وأن يغير من هذا المجتمع الظالم. ولذلك بدأ بطرح القضايا التي أضنت البشرية وأصبحت ظاهرة في أعين الناس أنها ظالمة.  وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراءا عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون. 

 

إنه شيء مضحك حقا أن يجرأ الناس على الناس، فيجعلون الحرام والحلال على هواهم، ويحرمون ركوب بعض الأنعام على غيرهم، ويجعلون الأنعام والحرث حجر على بعض الناس، أو على كل الناس إلا لهم، وهم بهذا وصلوا إلى أعلى مستوى من الظلم. هكذا تناول القرآن هذه الحالات النفسية، التي جعلها من أهم المراحل، لترسيخ الشرع الإلهي الحق، فبدأ يعالج الأمراض النفسية قبل الأمراض العضوية، ويبدأ بحقائق معلومة ومألوفة، أهلكت البشرية وقتلتها، وقد استعرض جل الأوجه التي كانت سائدة. فجاءت هذه الآيات بحقيقة ظاهرة ومعروفة لدى عامة الناس وتخص المجتمع، وفضحت ظلم من كان يتكلف بتسيير هذا المجتمع، ولم يكونوا عادلون حتى مع أزواجهم. وهو كذلك مشهد آخر كان ساريا في الجاهلية ومعروفا لدى كل المجتمع.

 

وبعد استعراض الظلم المتفشي في المجتمع عامة، تطرق القرآن إلى الأولاد ليتناول هذه الحالات، حالة بعد حالة، ثم بعد الأولاد يتطرق إلى الأسرة، وأحد طرفيها المرأة، ليجعل كل المظلومين، من أبناء وبنات وأزواج، يقفون في وجه هذا الجور، وليفتضح أمر الذين يمارسون هذا الظلم، وإلا فما الغاية من نزول الوحي إن لم يكن لصالح البشر. وإن لم يكن لتربية المجتمع وتوحيده، ودرأ الظلم والفساد، وعبادة الخالق، والإقلاع عن عبادة المخلوق. فبعد ظلم الأولاد يأتي ظلم المرأة كما جاء في الآية لقوله. وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.

 

فهل يقبل إنسان هذا الشرع الجاهلي؟  كلا !فعند قراءته يحس المرء بسخافة وحماقة لا مثيل لهما، وعند نزول الوحي كان الناس على هذه الشرائع، وكانوا لا يزالون على هذه الافتراءات والتخمينات البشرية، وهي لا تختلف عن التخمينات البشرية المعاصرة فيما يخص التشريع. وكل واضعي القوانين يعلمون أنفسهم، أن القواعد القانونية البشرية تظل ضعيفة ومذبذبة، وتوضع على هوى الشخص، فإن كان غنيا فهي ضد الفقير، وإن كان قويا فهي ضد الضعيف، ويزكونها بالشمولية والتجريدية، وهي صفات قلما توجد في نص قانوني على وجه الأرض. 

 

فلا يزال السياق في الإقرار الفكري والتربوي، قبل أن يصل إلى الأمور العلمية المحضة أو العلوم الحقة، ومما يميز الرسالة الأخيرة عن الرسالات السابقة، هو الإتيان بالحل والوضوح والتدقيق والتدرج، والاعتناء بالجانب النفسي قبل الجانب العضوي. فهذا الوصف الذي نحن بصدده في سورة الأنعام، فيما يخص التشريع حول الأنعام والحرث، جاء متكاملا، ووصف الحالات بالتدقيق، وتطرق إلى الجانب المعاش، فلا يمكن أن يكذبه أحد، ولا يمكن أن ينكره أحد، وهو يصف لهم الحقائق، أمام أعينهم لا تحتاج إلى توضيح بل كانوا يعلمونها يقين العلم، ويعلمون ما فيها من الخلل. فكانت هذه المواضيع من جملة ما جعلت الإصلاح يأخذ طريقه بسهولة وتلقائية، لأن التأييد والقبول الجماعي، يجعل أصحاب هذه الافتراءات ينخلعون بأنفسهم، ويجعلهم يفرون من الحقيقة، ويتميز الإسلام على غيره من الديانات السابقة بالإقرار المعنوي أو النفسي والاجتماعي أكثر من الأثر المادي، ولا ينهج طريقة العقوبة أو الردع، إلا لما يستنفد جميع الطرق خصوصا بالنسبة لبعض الحالات الشاذة، التي لا ينفع معها المنهاج التربوي أو النفسي.

 

 وهكذا نقض القرآن الشرع الجاهلي، والذي فرض باسم الدين، ونسب إلى الله سبحانه. ويجعل أصحاب هذه الافتراءات في حرج، فيعود إلى الأشياء التي حرموها بزعمهم، ليسألهم أمام الناس، وهنا سيفضح هذه الأكاذيب البشرية، هذه الأسئلة حول الأنعام ستكون مباشرة، وسيطلب الله الجواب فلا يجد من يجيبه، ولنحضر هذه المناظرة التي يناظر فيها الله أصحاب الشرع، الذين يحكمون باسمه، والذين كذبوا عليه، بنسب هذه الافتراءات إلى الدين، وهي ليست في التوراة ولا الإنجيل. فلنستمع إلى هذه المناظرة المباشرة، ويبدأ الله بالسؤال حول الأنعام التي كانت تحت الشرع الكاذب بقوله تعالى: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنتيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين.

 

ويبدأ الخالق بالسؤال الأول حول الضأن والمعز، هل الذكرين من هذه الأنعام أم الأنثين هي الحرام، أم هل ما في بطونها من الأجنة هو الحرام، ويطلب سبحانه الجواب " نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين ومن ينبأ الله بعلم حول هذه الأشياء، من يقدر أن يخبره، وهم يفترون على الناس هذه الأشياء من ثلقاء أنفسهم. فهنا يقف الناس على الحقيقة، التي لا يمكن تفنيدها ولا تكذيبها، وكيف لا نقول أن الإسلام نال قبول الناس لحجته ولحقائقه. وربما نذهب بعيدا في هذه الآية من حيث الإعجاز العضوي فيما يخص علم الجينات أو علم الوراثة لأصناف الأنعام الأربعة، لكن لنبقى مع الإعجاز التشريعي في الميدان الغذائي على أن نعود للإعجاز في ميدان علم الوراثة لاحقا إن شاء الله تعالى.

 

ولما كانت الأنعام تشمل أربعة أنواع كان لا بد أن يكون الوحي متكاملا فيما يخص هذه الأنواع الأربعة وجمع سبحانه الضأن والمعز في سؤال وهو السؤال الذي جاء في الآية السابقة كما سيجمع الإبل والبقر في السؤال الثاني فيقول عز وجل في نفس السورة وفي الآية الموالية: ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟

 

فالسؤال موجه لهؤلاء الذين يضللون الناس، ويتجرءون على البشر باسم الدين، ويتفضلون على عباد الله حول هذا الشرع، ليضع حدا لهذه الألاعيب، وهذه الافتراءات، ويقر شيئا يجعل كل الناس يفهمون أن هذه الأحكام، ليست من عنده، ولكن اختلقها بعض رجال الدين، ليقهروا الناس، ويدحض هذه التجاوزات ويبين كذبهم وافترائهم وظلمهم فينكر عليهم الشهادة، بقوله سبحانه وتعالى في الشطر الثاني من نفس الآية ليكملها بحجة أخرى أقوى من الحجة التي جاءت في الآية السابقة قوله تعالى:  أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهذي القوم الظالمين 

 

فهل هناك من كان شاهدا حيث وصى الله بهذه الأشياء؟ إن لم يكونوا كذبوا على الله وهو ما حصل، ثم يشير إلى الضلال بغير علم. وإقرار الحجة بما هو ظاهر ومعروف ومتداول بين الناس جعل الطريقة الأدبية التي ج