بسم الله الرحمان الرحيم
الأمن الغذائي بين التقدير العلمي والتدقيق القرآني
مع ظهور الثورة العلمية ومع تحرر العلماء صار البحث العلمي نحو التقدم. وبدأ الغرور ينتاب الإنسان ومع تيسير أسباب الحياة انخرط الناس في نمط جديد من الحياة التي سميت باللادينية أو اللائكية وابتعدوا عن الدين، ومع ترك العقيدة ونهج اللادينية أصبحت المادية والشهواتية هي السائدة، ومع اتباع أو تبني المذهب المادي، تنكر الناس للعقيدة ،بل أكثر من ذلك أصبح الهجوم عليها ونعتها بالتخلف، وليست العقيدة بوجه عام وإنما العقيدة الإسلامية على الخصوص. ورغم هذا التقدم التكنولوجي كما أشرنا لذلك، والرفاهية التي أصبح الناس يعيشون فيها، والبدخ وما إلى ذلك من كل احتياجات الناس الشهواتية لم تكتمل سعادتهم، بل زاد شقاؤهم وكثرت تعاستهم. وظل الإنسان يبحث عن حقيقته وهويته وكنهه، ولم يجد شيئا يملأ هذا الفراغ الحاصل من جراء التجرد من العقيدة. وكل هذه الأشياء ضاعت في خضم التقدم العلمي والتطور التكنولوجي، وليست الحضارة كما يزعم الناس لأن التقدم الذي لا يضمن السعادة لا يمكن أن نسميه حضارة.
ونرى في عصر العلم ،والتقدم التكنولوجي، أن الإنسان لا يزال تائها جاهلا بما يجب معرفته قبل تطبيقه، وقد نال المد الصليبي أثناء غزوه للبلاد الإسلامية من فكرنا وهويتنا وعقيدتنا، وتمكن من فرض سيطرته التعليمية والإعلامية على هذه الشعوب، لمسخ لغتها وهويتها الإسلامية الطاهرة. وهكذا نجد أن الذين ذهبوا إلى الغرب )أوروبا وأمريكا (بدون عقيدة صحيحة لا يرجعون إلى بلدانهم، وإن رجعوا فببذلة الغرب الفكرية ، لأنهم تأثروا بدون أن يشعروا، وهذا الصعق الفكري الذي يتعرض له الذين يتعلمون في الدول الغربية لا يمكن أن ينال من الذين يتسلحون بالعقيدة، والبقاء في البلدان الغربية لهؤلاء أو العودة إليها يصبح حلما، لأن المحيط الذي سيعملون فيه في بلدانهم ليس هو الذي تعلموا فيه، ويساعد فراغهم الروحي على تبعيتهم وتخديرهم. والغريب في الأمر أن هذا النمط أصبح شائعا وكثيرا، وأصبح يشغل المناصب الهامة، ويشرف على اتخاذ القرار في كثير من البلدان العربية. وكثير من الذين تعرضوا لهذا الصعق الفكري، تربت لديهم الجرأة النكراء على الله سبحانه وتعالى. وترسخ لديهم جهل فيما بعد نظرا لانقطاعهم عن البحث العلمي والمناظرات العلمية التي تقل في البلدان العربية. وهذا الوضع يتبعه جهل لدى هذه الفئة ثم بعد هذا الجهل تتربى لديهم عقدة عميقة وخطيرة تقودهم إلى كراهية حضارتهم والتنكر لها وضربها، وجل من يرى أن الإسلام غير قادر على مسايرة ومواكبة العصر من هذه الفئة. وبما أن هذه الفئة لا تعتنق أية ديانة فهي تسقط تلقائيا في أحضان القومية، وتصبح هذه الديانة الجديدة التي ليس لها نبي ولا رسول تستقطب كثيرا من أصحاب الشواهد العليا، والقومية لا تنبني على أسس وإنما على أهام. فالقومية تتوهم أن ليس للإسلام نظام اقتصادي معين يمكن اتباعه، والحقيقة هي أن البرامج الاقتصادية الحالية الموضوعة بعلم البشر كلها خاطئة، ولا تقدر على تدبير الشأن الاقتصادي، وليس هناك من لا يعترف بهذا العجز، ومع ذلك لا يقبل الرجوع إلى الاقتصاد الإسلامي بعدما أصبح الحل الوحيد. فالبرامج التي تجعل الحياة مستحيلة بدون قروض ليست برامج بل عار على الأمة. ومع ذلك فأساتذة الكليات لا يزالون يؤطرون لهذا الطرح المتخلف.
والخطأ الحاصل الآن في تدبير الاقتصاد في البلدان العربية خصوصا، هو بسبب تطبيق تقنيات علمانية على مجتمع مسلم. ونرى أن أي تدبير بدون الرجوع إلى النظام الإسلامي لن يكون ناجحا، وكل الدول الإسلامية غنية، ولديها ما يكفيها ويزيد على حاجتها، لكنها الآن تتخبط في مشاكل اقتصادية أكثر من الدول المصنعة. ولكي يكون لنا نظام نتبعه يجب أن نرجع إلى الذي خلق الكون والإنسان، ووضع أنظمة وليس نظاما واحدا. وهذه الأنظمة تعتمد على روح الإيمان والتعايش والإخاء، وتخلو من الحقد والحسد والاعتلاء، وتمنع الظلم والحرام، وتقطع السرقة والاستبداد، وترتكز على العدل في الوقائع، والمساواة بين الأجناس. وهذه الأنظمة لا يمكن أن تطبق في مجتمع لا ديني، لأنها تعتمد على الإيمان، والذي وضع الكون ودقق في خلقه وتنظيمه يعلم النظام الذي يصلح له، ونظم كل شيء، بل ليس على البشر أن يضع نظاما، وإنما عليه أن يعرف كيف ينظم نفسه ليعمل بما أنزل له الخالق فقط. ولذلك يجب أن نفرق بين عالم يمشي وفق الهوى، وعالم يمشي وفق العلم، والله سبحانه وتعالى كرم البشر وفضله على كل ما خلق، ولنرى ماذا يقول صاحب الكون في كتابه العزيز في سورة الإسراء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا70 ، لو كان لك حيوان في منزلك، لكنت تفكر في أكله ومسكنه وراحته بالليل والنهار قبل نفسك، فكيف بالذي خلق الإنسان؟ فهل يخلقه ولا يرزقه؟ ومن هذا الطرح يظهر منطق الأمن الغذائي.
معطيات حول المحيط
إن النظريات العلمية القائمة حاليا تجمع على أن المجموعات النجمية ومنها المجموعة الشمسية، التي تضم الشمس وتوابعها من الكواكب كالأرض والقمر، كانت سديما، ثم انفصلت أو فتقت وأخذت أشكال الكواكب، التي نعلمها الآن بشكلها الكروي المعهود. وإذا صحت هذه النظريات فإن الأرض والسماوات وباقي المجموعة الشمسية، كانت قطعة واحدة فتفرقت. وتظل هذه الاحتمالات العلمية قيد الصواب والخطأ على حد سواء، لأن إدراك الإنسان لا يصل مكانا ولا زمانا إلى الحقيقة العلمية عبر التجربة أو الكشف. فمكانا لأن الكون لا متناهي، ولا يمكن أن نراقبه من الأرض التي هي نقطة في هذا الكون، وزمانا لأننا لا يمكن أن نفسر الآن ما حدث منذ ملايين السنين.
ولهذا فمنطقيا وعلميا إذا كانت الأرض انفصلت عن السماء داخل المجموعة الشمسية، فإن حرارتها كانت تقدر ب 12000 درجة فارنايت على حد زعم بعض الموسوعات العلمية. وهذه الحرارة المفرطة لا تسمح بوجود مواد عضوية، ولا بوجود أي شكل من الأشكال الكيماوية، ماعدا الغازات أو العناصر الكيماوية الحرة. وإذا كانت المواد العضوية يستحيل وجودها تحت هذه الحرارة فلا يمكن أن نتكلم عن الحياة.
إن الأرض لما فتقت كانت مشتعلة، ولكي تكون عليها حياة كان يجب عليها أن تبرد أولا، ثم تلعب عملية المياه على سطحها دور مصدر الحياة، أو وجود كل الأحياء التي نعلمها الآن. ونعلم أن عملية التبريد ترتبط بالخصائص االفزيائية للسائل المبرد، ذلك أن الهواء لا يبرد بسرعة بالمقارنة مع الماء، لأنه لا يمتص الحرارة أما الماء فيمتص الحرارة بقوة ويبرد الأشياء الساخنة أو المشتعلة بسرعة. ونعلم كذلك من الناحية الكيماوية أن الماء يمثل جزيئة تتكون من ذرتي هايدروجين مرتبطتين مع ذرة أوكسايجن، وتتحد ذرتي الهايدروجن مع ذرة الأوكسايجن تحت درجة حرارية تفوق 3618 درجة فارنايت، وكل هذه الشروط كانت متوفرة ليتكون الماء في الفضاء، لأن كل العناصر كانت على شكل غازات، وكانت موجودة بكثرة، فاتحدت ذرات الهايدروجين مع ذرات الأوكسايجن فتكون الماء بكثرة وبكمية هائلة، حيث نشأت المحيطات الفضائية، لتبرد الأرض إلى حد يسمح بوجود الماء السائل على سطحها، فتستقر آنذاك المحيطات كما نعهدها الآن.
بعد هذا حدث حسب الوصف العلمي أن أخذت الأرض تبرد تدريجيا، حيث استغرقت العملية مليارين من السنين، وقد قدر العلماء هذه المدة بطريقة التحليل الإشعاعي للعناصر المشعة لدراسة تاريخ أو عمر الأرض، ثم بعدما بردت الأرض، انخفضت الحرارة إلى مستوى يسمح بوجود المواد العضوية أو الحية. ولكي تبرد الأرض وتتشقق الصخور وهي من الغرانيت والبزالت الخ، لتصبح تربة قابلة وصالحة للنبات، كان لابد من نزول الماء على صطحها ليعمل مع الهواء على تحويل الصخور إلى تربة بتفتيتها والتسرب من خلالها. ولم تظهر الحياة بعد على الأرض إلا بعد نزول الماء وجريان التفاعلات الكيماوية القاضية بتحول بعض المركبات الكيماوية المعدنية، لأن المادة العضوية لم تكن خلقت بعد، وحيت تهيأ الوسط وتعدل الجو وتوفر الماء على