اللحوم  بين رحمة الشرع الحكيم وبينة العلم الحديث

  Meat Products between Islamic regulations and Science

(English version)

 

         (ورقة كانت مقترحة على المؤتمر التاسع للإعجاز العلمي ورفضت من قبل اللجنة )

 

 

يقول الدكتور محمد فائد: إن أكبر خطأ علمي سقطت فيه البشرية هو اعتماد اللحوم كمادة أساسية في التغذية.

 

مقدمة عامة

 مما لا شك فيه أن الإنسان يميزه العقل عن باقي المخلوقات الأخرى، وهو المخلوق الوحيد الذي جعل له الله سبحانه وتعالى تفكيرا وأعطاه أدوات يميز بها الأشياء، وطبعا فالذي خلق هذا المخلوق على هذه الحال يعلم أنه ذو عقل، يجب أن يستخدمه ليعيش العيش الحسن والحياة الطيبة الهادئة، وكذلك ليتذكر الله سبحانه وتعالى وهو ما نسميه بالعبادة فتظل العلاقة قائمة بين الله والإنسان، أو بين الخالق والمخلوق، ولا يمكن أن تكون هذه العلاقة إلا بالأحكام أو الشرع .والإسلام شرع أحكاما مطلقة وثابتة لا تقبل التغيير والتجديد والتكييف، مخافة التحريف كما وقع للتوراة، وهذه الأحكام هي التي تنظم الحياة العامة للناس، وتتفق مع ما ينفع ويحفظ المجتمع مما كان عليه في الجاهلية، وتتفق كذلك مع فطرة الإنسان السليمة، وحبد بعض الأحكام، ودم أخرى، كما أباح بعضا آخر، وكل الأحكام التي أتت في القرآن تقبلها النفس بسهولة وتقبلها الفطرة، ولذلك يؤكد الإسلام على تكوين وتهديب الشخصية المسلمة قبل المنع والتحريم.

 

بعد مرور أزيد من أربعة عشر قرنا على نزول القرآن، لم نتمكن إلى حد الآن من تناوله بالدراسة العلمية، ليس الجانب العلمي المحض الذي يخص العلوم الحقة، أو العلوم الكونية، أو العلوم الحسية، ولكن العلوم التربوية والاجتماعية والإنسانية، وهذا هو الوجه القوي للإعجاز القرآني، لأنه ليس هناك مستوى نابغ لهذه العلوم، لنتناول بالدراسة والبحث، ما جاء في القرآن بخصوص هذه العلوم. ولنا أن نقارب بين الظروف التي نزل فيها القرآن، إذ كانت البشرية على جاهليتها، وكانت على وجاهتها اللغوية والعرفية والقبلية. ومن جملة ما كان عليه المجتمع قبل مجيء الإسلام : الإدمان والفساد وأكل الميتة والأنصاب والأزلام والربا والزنى وقطع الرحم والوأد وكل ما يمكن أن يتصوره الإنسان من أوجه الفساد والضلال والقهر والظلم، بل لم يعد للفقير والضعيف مكان في هذا المجتمع، ولنرى كيف بدأ التغيير والتحول وضبط الأشياء التي كانت صعبة المنال، وأمام هذه التصرفات لم يكن من الممكن استعمال أي أسلوب لتنظيم الحياة العامة وفي هذه الظروف الصحية والقاهرة يأتي الوحي من السماء، لأنه الحل الوحيد الذي بإمكانه أن يعيد البشرية إلى الطريق الصواب، والقرآن لا يتكلم عن الزجر والعنف ومقابلة العنف بالعنف، كما هو الشأن بالنسبة للقانون الوضعي، وإنما يتكلم عن حلال وحرام، بمعنى ليس هناك خيار فيما عدا ما رسمه الله للناس، ولنرى كيف بدأ الإصلاح القرآني للمجتمع ومن أين بدأ. ونتناول النهج السليم والصحيح الذي نهجه الإسلام في إقناع الناس على الكف في التمادي في الفساد والظلم والجبروت.

 

وقبل أن نتطرق إلى النصوص المتعلقة بالتحريم، وهي النصوص اللفظية التي جاءت في سورة المائدة، لابد أن نتطرق إلى الجانب التربوي. ففي كل المشاهد التي يصف فيها القرآن الشرع  الإلهي، الذي سيبقى مع البشر إلى يوم القيامة، نجد الإعداد النفسي لهذا الشرع، فيتدخل القرآن لينوب عن الطب النفسي، ليجعل هذا الإنسان العادي الجاهل ينهض ويتعلم ويتقوى، بعدما أضنته الجاهلية، وحطمت معنوياته بظلمها. وفي هذه الآية التي جاءت ضمن القرآن المكي، وهو قرآن المبادئ والأسس التي ستؤدي إلى شخصية قوية واعية صحيحة، هذه الشخصية التي كانت مدمنة على الفساد، فإذا بها تستيقظ وتعي كل الوعي حقيقة الأمور، فيبدأ القرآن بالدرس الأول، درس القيم والوعي، فيعرف القياس الذي يفرق بين ما تقبله النفس بالفطرة وما ترفضه، وبين الحسن والقبيح، أو بين الخبيث، والطيب وهو ما جاء في سورة الاعراف  (157)لقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

 

وهذه الخصال التي جاءت في هذه الآية هي من باب التربية والتحسيس، وجاءت بأشياء أصلية وفطرية، تقبلها النفس بالفطرة، وأخرى ترفضها النفس كذلك بالفطرة، فالخطاب في الآية "يحرم عليهم الخبائث ويحل لهم الطيبات"، يعيد الأمور إلى نصابها، فاقتران الخبيث بالتحريم مقبول للعلة والفطرة، وإحلال الطيب مقبول كذلك للعلة والفطرة. والمنطق والموضوعية سيجعلان الشرع الذي سيأتي بالتحريم فيما بعد مقبولا ومعمولا به، فالإنسان الذي تعلم وعرف الخبيث والطيب، سيختار لنفسه الطيب، وسيحرم هو على نفسه الخبيث.

 

وتعتبر هذه الآية من سورة الأعراف، قاعدة عامة لكل حلال أو حرام، قبل أن نصل إلى الآيات التي تفيد التفصيل، وتزكي كل العلل التي يحرم من أجلها حرام، أو يحل من أجلها حلال، وتعتبر كذلك هذه الآية علمية من حيث المقصود والغاية، لأن القواعد الصحية الحديثة تمنع كل ما يؤدي الجسم وتصنفه خبيثا، وتوصي بكل ما ينفع الجسم وتصنفه صحيا. وإذا انطلقنا من هذه القاعدة، فلا نختلف في الحلال والحرام من حيث العلل، إذا كان من الممكن أن تبين العلوم ذلك، وإلا فيجب أن نأخذ بالشرع في الحلال والحرام لتعذر الأمر على العلوم، ونقصها وضعفها وعجزها، على تبيان الضرر والمنفعة في المواد الغذائية. وقد تكون النتائج العلمية غير واضحة في بعض الوقائع، ولذلك فالمسلم يطمئن لشرع الله، ويمتثل لأمره سبحانه، فلا يقرب الحرام لأنه خبيث ومضر، ولا يقرب إلا الحلال لأنه طيب، ولا يسأل عن هذه الأشياء لأن الامتثال طاعة لله ورسوله، والطاعة درجة عالية في العبادة.

 

وفي ما يلي سنفصل إن شاء الله الغاية من إباحة الطيبات، والعلة من تحريم الخبائث، من خلال ما جاء في كتاب الله عز وجل و ما جاء في الأحاديث النبوية الشريف، مع بيان أوجه الإعجاز في ذلك لجعل العلوم أكثر نفعا في حياة البشر، على مستويين،  على المستوى العقدي بالتقوى وعلى المستوى العلمي بتجنب الأخطار المتعلقة بهذه المحرمات.

اللحوم الحلال

 

لقد بينت النصوص القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، ما يحل وما يحرم من الأطعمة والأشربة. ولقد بدأ القرآن الكريم برفع الحجز عن الحلال قبل أن يتطرق إلى الحرام وهو أسلوب الإيجابية، والقرآن لا يبدأ بالسلبية في خطابه وتربيته، وكل الأوجه التي جاء بها تبدأ بالإيجابية، ونرى هذا النهج الإيجابي في تحليل الطيبات قبل النهي عن المحرمات في سور كثيرة من كتاب الله : قال المولى تبارك وتعالى في الطيبات: ]يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات[ (سورة المائدة : الآية 4). وقال أيضاً: ]يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً[ (سورة المؤمنون : الآية 2). وآمر الناس بأكل الطيب (الحلال) من الأطعمة، ومنفراً إياهم من خلاف ذلك: ]يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنـهّ لكم عدو مبين[ سورة البقرة : الآية 168 وحين قال  أيضا: ]ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث[ سورة الأعراف: الآية157. فكل الآيات تبين الإيجابية في الخطاب القرآني، إذ أنه يبدأ بالتحليل قبل التحريم، لأن المنع ممقوت من لدن البشر الذي يقبل الإباحة أكثر مما يقبل المنع. ولذلك جاء الرفق من العلي القدير الذي يعلم كيف يدبر الأمور.

 

ومن الطيبات من المواد الحيوانية المذكورة في كتاب الله عز وجل نجد كل من بهيمة الأنعام وصيد البر وصيد البحر ولحم الطير.

.

 .1 بهيمة الأنعام 

أخص الله تعالى الأنعام بالتحليل في سورة المائدة  لقوله: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ }.

 

«أحلت لكم بهيمة الأنعام » يأتي في هذه الآية التعبير، بالفعل المبني للمجهول، والتعبير بالمجهول يعني أن الأمر مقضي للناس، وليس فيه أي تراجع أو أخذ ورد. ونجد المبني للمجهول في آيات عديدة منها قوله تعالى في سورة المائدة - أحلت لكم بهيمة الأنعام- وكذلك قوله تعالى - حرمت عليكم الميتة -  وقوله تعالى في سورة الروم - الم غلبت الروم-  وقوله تعالى في سورة البقرة -  كتب عليكم الصيام-  وقوله  تعالى في سورة الحج - أذن للذين آمنوا -   وما إلى ذلك من الآيات التي جاء فيها المبني للمجهول، وهذا يعني أن الأنعام لم تكن حرام قبل مجيء الإسلام ثم أحلها الإسلام،  وإنما كانت حلالا منذ أن خلق الله الإنسان، وليس مقتصرا على الإسلام. لكن مع اختلاف التشريعات، ومع تحريف الكتب، وبعدما أخذ رجال الدين يتفضلون على الناس، بشرع من عندهم ومن زعمهم، جاء الحد الفاصل، والنهاية لهذه الافتراءات، ومن جملتها ما جاء في سورة المائدة، بشأن السائبة والبحيرة والوصيلة والحام، وكذلك ما جاء في سورة الأنعام، بشأن جعل النصيب لله، وتحريم بعض الأشياء على النساء دون الرجال.

 

 لقد جاء في الجامع لأحكام القران للقرطبي تفسير قوله تعالى: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } أنه كانت للعرب سنن في الأنعام من البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية، والآراء الفاسدة الباطلية. وٱاختلف في معنى { بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ } والبهيمة ٱسم لكل ذي أربع؛ سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها؛ ومنه باب مُبْهَم أي مُغلق، وليل بَهِيم، وبُهْمَة للشجاع الذي لا يُدرَى من أين يُؤتَى له. وقيل: «بَهِيمَةُ الاٌّنْعَامِ» ما لم يكن صيداً؛ لأن الصيد يسمى وحشاً لا بهيمة، وهذا راجع إلى القول الأوّل.

 

يصنف العلماء الأنعام مع التذيات العاشبة المجترة، ذوات الأصبوعين. وهذا التصنيف يجمع الإبل مع الغزال، والبقر والضأن والمعز وعدة حيوانات أخرى منها اللامة والزرافة. ومن بين هذه الحيوانات، الأنعام الأربعة: البقر، والإبل والضأن، والمعز، وهي ما يكسب، والغزال والزرافة وبعض ذوات الأصبوعين الأخرى، وهو ما لا يكسب، ولا يتحكم فيه الإنسان، وهذا يسمى وحشا وليس بهيمة، وهو كذلك حلال، ويشترك مع الأنعام في الخصائص الأحيائية، وهي كلها حيوانات عاشبة مجترة وثدييات، ولهذا استعمل العلي القدير كلمة بهيمة، لفرز الأنعام عن الوحش، فنقول بهيمة الأنعام لما نتكلم عن الأنعام الأربعة التي تكسب وتملك،  ووحش الصيد لكل ما لا يكسب ولا يتحكم فيه. ونضيف بالمناسبة، أن ليس هناك تصنيف للأنعام كمجموعة لها خصائصها ومميزاتها، في الكتب العلمية المعروضة إلى حد الآن، ويبقى القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي  يصنف هذه الحيوانات في مجموعة تسمى الأنعام، لأن الكتب العلمية لا تصنف الإبل مع الغنم والبقر. والبهيمة جاءت كذلك نكرة تامة ليكون التعبير عاما بمعنى أنها تدل على الذكر والأنثى من الأنعام كلها ولا تقتصر على نوع ولا على جنس.

 

التصنيف العلمي للأنعام الأربعة

 

الغنم

المعز

الحيوانية

المملكة:

الحيوانية

المملكة:

حبليات

شعبة:

حبليات

شعبة:

ثدييات

صف:

ثدييات

صف:

مزدوجات الأصابع

رتبة:

مزدوجات الأصابع

رتبة:

Bovidae

فصيلة:

Bovidae

فصيلة:

Caprinae

:تحت فصيلة 

Caprinae

:تحت فصيلة 

Ovis

جنس:

Capra

جنس:

O. aries

نوع:

C. aegagrus

نوع:

 

الإبل

البقر

الحيوانية

 المملكة:

الحيوانية

   المملكة:

حبليات

 شعبة:

حبليات

 شعبة:

ثدييات

 صف:

ثدييات

 صف:

مزدوجات الأصابع

 رتبة:

مزدوجات الأصابع

 رتبة:

 

Camelidae

فصيلة:

Bovidae

فصيلة:

 

Camelus

 جنس:

Bovinae

:تحت فصيلة 

 

C. batrianus

 نوع 2:

Bos

جنس:

 

C. dromedarius

نوع 1:

B. taurus

نوع:

 

 

 

 

وتعتبر الأنعام من الحيوانات المجترة والعاشبة التي جعل الله لها طريقة خاصة في التغذية. ولهذه الحيوانات أربعة جيوب في جهازها الهضمي. وتجمع العشب والكلأ في المعدة الأول، ثم تبلله ليختمر شيئا ما، ثم تأخذه في الليل أو أثناء راحتها لتجتره فتعيد مضغه وطحنه جيدا ليختلط بالأنزيمات الموجودة في النشاوز والسوائل المعدية الأخرى، ولتجد ميكروبات المعدة سبيلا إلى حلمأته. وتستعمل المعدة عند هذه الحيوانات كخمارة لا هوائية تعمل بالأنزيمات والجراثيم النافعة، وتراقب الحرارة والحموضة بقياس رباني، وتمر كل المواد من عمليات الهدم والتكسير عبر الحلمأة لتعطي مواد بسيطة صالحة لتمثيل وبناء مكونات الجسم، وهذه المركبات البسيطة تشمل كلا من الحمضيات الأمينية، والحمضيات الذهنية، والسكريات الأحادية، وأملاح معدنية وفايتمينات. ويعاد بناء بروتينات جديدة ودهنيات جديدة وسكريات جديدة. وحين يبلع الخليط الذي تم طحنه ومزجه بالأنزيمات، يذهب هذه المرة إلى الجيب الثاني في المعدة، ولا يرجع إلى مكانه الأول. ثم يكمل طريقه في الهضم إلى أن تمتص منه كل المغذيات. والشيء الذي يبين عظمة الله سبحانه في هذا الخلق هو كون الجزيئات البسيطة، التي تبلع لأول مرة مع العشب أو الكلأ تأخذ طريقها إلى المعدة الثانية، ولا تعود أثناء الاجترار. إن هذا ليس صدفة وليست الطبيعة ولا الصدفة هي التي جعلته يمشي هكذا، وإنما الذي خلقه سبحانه هو الذي جعل هذا التنظيم الأتوماتيكي يمشي كما أراده أن يمشي. ومن خصائص الأنعام أنها عاشبة، يعني تتغذى على النبات ولا تأكل إلا النبات النقي ولو كان الكلأ فوق أرض قدرة لم تقربه الحيوانات. وكثيرا ما نرى في المراعي بعض البقع من الكلأ التي أكلت الأنعام من حولها وتركتها، لأنها تنبت فوق بعض القاذورات. من خصائص الأنعام أنها من الثدييات، وهي الحيوانات التي خصها الله سبحانه وتعالى بإفراز اللبن ليسقينا الله من لبنها كما سنرى فيما بعد. ونعلم جميعا أن في وقتنا الحاضر أصبح إنتاج الحليب مهما أكثر من إنتاج اللحوم. وكلاهما يعد من المواد الغذائية ذات الجودة الغذائية العالية، لكونهما يمثلان مصدرا للبروتينات التي لا يمكن للجسم أن يستغني عنها

 « إلا ما يتلى عليكم »، وهو ما سيتليه الجليل جل جلاله في الآية الثالثة بالتفصيل، والمستثنى من هذه الأنعام، هي الأنواع التي سيبينها الله عز وجل بالعلة، ويضيف إليها أشياء أخرى معنوية كما سنبين. « غير محلي الصيد وأنتم حرم »  وهنا يأتي شرع الله ليضع حدا يجب أن يراعى، لا لعلة، وإنما تطوعا وعبادة لله سبحانه وتعالى، وقد جاء هذا الحد، لما نهى سبحانه وتعالى آدم عن الأكل من الشجرة، وكذلك لما أمر سيدنا زكرياء ألا يكلم الناس ثلاثة أيام، وهو نفس الحد الذي جعل لسيدنا لوط ألا يلتفت، وما إلى ذلك من الأمور المعنوية، التي تجعل المرء يذكر الله، ويتغلب عن الشهوات والهوى. لا يحل صيد البر للمحرم، لأنه جعله الله حدا من حدوده سبحانه وتعالى، وهو لا يسأل عما يفعل. وطبعا هذا التحليل الذي يتناول الجانب الروحي أو النفسي لا يجزأ عن الجانب العلمي المحض. فربما تكون هناك أشياء لم يقف عليها العلم بعد، ونحن بصدد البحث في ذلك وحول الجوانب العضوية والنفسية للتحريم. وربما تكون الآية دالة على أشياء علمية عالية، لم نتوصل إليها بعد لأن الدراسات في هذا الميدان، لا زالت في مرحلتها الابتدائية، بالإضافة إلى أن ليس هناك منهاج علمي للبحث في هذه الأشياء، للخصاص الحاصل في صفوف العلماء الفقهاء، لأن توجيه البحث العلمي في المختبرات، يجب أن يكون من لدن الأساتذة الملمين بالفقه والعلم في آن واحد. 

ب . لحوم الطيور                                                            

تعتبر لحوم الطيور نوعا آخر من المواد الغذائية الحيوانية، وتتنوع كذلك هذه اللحوم لتشمل العديد من الطيور الداجنة وهي الدجاج والبط والحجل والديك الرومي والحمام والطيور الوحشية التي يصيدها الإنسان بشتى الوسائل تعتبر الطيور من أجمل مخلوقات الله الحية على سطح الأرض وأكثرها انتشاراً في معظم مناطق العالم ولا تكاد توجد منطقة إلا وفيها طيور؛ وقد ساعدتها قدرتها على الطيران في الانتشار فلا يعوقها جبل ولا بحر، حتى أصغرها حجماً يمكنه أن يقطع المحيط بدون توقف بالرغم من هذا الانتشار الواسع للطيور. هذا العالم أي عالم الطيور فيه كذلك مجالا واسعا للدراسات والعبرة، وما أكثر ما يمكن أن ينتفع به الإنسان في الأكل والتداوي والتزيين كالريش وقد يتيه المرء وهو يصف العدد الشاسع للطيور والتنوع الهائل من الطيور، المائية إلى الطيور الجبلية أو الطيور الصحراوية كالنعامة والطيور المهاجرة وما إلى ذلك. ويقول تعالى في شأن هذه اللحوم في سورة الواقعة "ولحم طير مما يشتهون" فخص هذا النوع من اللحوم بالشهية وهو ما يبين جودة عالية خصوصا بعض الطيور المعروفة بذلك كطيور الصيد والحمام والنعام وهو ما أثبتته الدراسات الحديثة في علم التغذية.

 

ج. المواد البحرية

 

قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ) المائدة الآية: 96. ويقول عز وجل في سورة النحل: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الآية: 14.وقال كذلك في سورة فاطر: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ـ الآية:12.

 

وفي سنة النبوية الشريفة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين سئل عن البحر قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه الترمذي وقال حديث صحيح. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلت لنا ميتتان ودمان. فأما الميتتان فالحوت  الجراد (وفي رواية: السمك والجراد) وأما الدمان فالكبد والطحال) صحيح الجامع الصغير. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر، حينما أخبره جماعة من الصحابة عن أكلهم حوتاً قذفه البحر يدعى العنبر، أنه قال: (هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيئاً فتطعمونه؟ قال جابر: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله) رواه البخاري ومسلم.

 

تنتمي الأسماك من الناحية التصنيفية إلى شعيبة الفقاريات Vertebrata Subphylum التابعة لشعبة الحبليات Phylum Chordata. معظم الأسماك من الحيوانات ذوات الدم البارد  . Cold-blooded vertebratesهناك أزيد من  29,000نوع من الأسماك  وهي بذلك أكثر الحيوانات الفقريات تنوعا. ولقد بدأ الله تعالى الحديث في سورة النحل عن رزق البحر، بما فيه السمك بفعل "سخر"، فليس من السهل أن يركب الإنسان البحر للبحث عن الرزق، وما أكثر الخيرات في البحار. وليس كذلك من السهل أن يقترب الإنسان من البحر خصوصا الشواطئ التي يوجد بها السمك لأن ذلك يتطلب كثيرا ولولا أن يسخر الله هذا البحر الشاسع الخطير لما تمكن الناس من ركوبه والاصطياد فيه. وقد يرى المرء أن الصيد في البحار سهل، لكن ليس الأمر كذلك لأن الحيوانات البحرية بما في ذلك الأسماك والرخويات وكائنات أخرى أثمن من السمك بكثير، لا توجد بالقرب من الشواطئ، أو لا توجد بكميات يمكن تسويقها وترويجها في الأسواق الداخلية أو الخارجية. ونعلم جيدا مدى أهمية الصيد يأعالي البحار، وما يتطلبه من معدات ودراسات لرصد السمك، ولم يكن هذا معروفا على عهد نزول القرآن، وقد بينت الأبحاث العلمية في ميدان تقنيات الصيد البحري  كل هذه الأساسيات التي يعتمد عليها الصيادون للحصول على كميات هائلة من السمك. ولذلك نقرأ في قول الله عز وجل كلمة "سخر"، ولم يأت التعبير برزقكم، أو خلق لكم، أو أي تعبير آخر، وإنما جاء المعنى بالتسخير، لتدقيق المجال ولجعل الناس يشكرون الله على هذا التسهيل للوصول إلى منتوجات البحر واستخراجها والكسب منها أو أكلها.

 

أما التعبير عن المنتجات البحرية باللحم، فهو كذلك له معناه الدقيق لأن كل الحيوانات لها عضلات بما في ذلك الأسماك، وهو ما يصنفها ضمن المواد الحيوانية. لكن التعبير هنا يأتي موصوفا والصفة هي طريا. ولو اقتصر التعبير على كلمة "لحما" دون ذكر حالته لكان لحم السمك يبقى بجودته كجميع اللحوم، لكن مجيء التعبير مبينا بطريا يجعل العلوم تذهب إلى ما هو أبعد وهو جودة هذه اللحوم. وقد تبين علميا أن لحوم الأسماك والمنتوجات البحرية تكون جودتها عالية لما تكون طرية، وكلما مضى عليها وقت كلما نقصت وبخست جودتها، ويرجع هذا لعدة أسباب منها طبيعة التركيب الكيماوي للحوم الأسماك، وهو تركيب غني من حيث المركبات، وغني كذلك بالميكروبات والأنزيمات التي تجعل التحلل سهلا وسريعا. يبدأ لحم السمك في التحلل حال خروجه من الماء لأن الوسط غني بالمواد الإقتياتية ووجود الأملاح وعوامل النمو للجراثيم التي تنمو بسرعة فائقة وهناك كذلك عدة أنزيمات تتخصص في حلمأة البروتينات والذهنيات لتعطي الأولى غاز الأمونياك والأمينات الطيارة ولتعطي الثانية الحمضيات الذهنية التي تتأكسد وتعطي رائحة الزنخ.

 

ونجد في سورة المائدة وفي شأن المواد البحرية قول الباري " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما  واتقوا الله الذي إليه تحشرون". يأتي التعبير هنا كذلك بالتحليل ويفرق بين الصيد والطعام لماذا؟ لأن هناك كائنات حية في قاع البحار ليست صيدا، لأنها ليست حيوانات وإنما نباتات كالطحاليب، ولذلك قال سبحانه وتعالى صيد البحر وطعامه. وهذا التشخيص للمواد البحرية بين نباتية وحيوانية لم يعرف إلا مؤخرا، ولازالت الأبحاث جارية لتطوير استخراج واستغلال النباتات البحرية على وجه أمثل. ولو جاء التعبير بالطعام دون الصيد لظن الناس أن الطعام يعني الصيد، كما أنه لو جاء بالصيد لاقتصر الأكل على الصيد وحده، لأن الآية تفيد الحلال والحرام. وهكذا يعلمنا الله كيف نستغل الموارد الطبيعية منذ زمن بعيد، وقد تركنا هذا العلم الذي لا يخطئ وذهبنا إلى العلم الذي لا يزال يتأرجح بين الصواب والخطأ. ويأتي التعبير ليخص حيوانات البحر بالحلال دون حيوانات البر، كما خص كل الحيوانات البحرية بالتحليل دون الحيوانات البرية فيما يخص التذكية، وتبقى هذه المنتوجات حلالا بدون تذكية، ويبقى صيدها حلالا ولو للمحرم، وهو شرع خاص بهذه الحيوانات.

 

ومن معجزات القرآن والسنة أنهما يتفوقان على العلوم الكونية أو الأحيائية بكثير، لأنهما يتناولان الأصل في الأشياء، وفيهما حقيقة مطلقة ليس فيها أي شك ولا أية شبهة، ولذلك ولو نتطرق للعلوم لنبين للناس بكيفية محسوسة هذا الإعجاز، ليستيقن الذي له رصيد علمي، فإن الغاية المثلي من كل هذه الحقائق العلمية هي معرفة الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق لهذه الأشياء وتنظيمها وجعلها تمشي وفق دورة مدققة. وعلى إثر تحليل هذه المنتوجات فإن المواد البحرية ولو أنها سريعة التحلل، ولو أنها محملة ببعض الجراثيم، فإن الوسط الذي تعيش فيه وهو ماء البحر لا تنمو فيه الجراثيم، لكونه يحتوي على تركيز عالي من الملح. ونعلم بديهيا أن الملح يحفظ الطعام من التلوث إذا كان التركيز يفوق 2 بالمائة بالنسبة لجل الباكتيريا ومنها الممرضة، ويظيف بعض الباحثين أن تركيز 7 إلى 8 من ملح الطعام كاف لحفظ الطعام من الفساد والتلوث. ويستعمل تركيز 10 كنسبة حافظة للحوم كالنقانق والسجقات.

 

أما من الناحية الغذائية فيمثل السمك مقاماً عالياً بين أنواع الغذاء السمك، فهومصدر ممتاز من مصادر البروتين، بحيث يتفوق على اللحم من هذه الناحية، ويمتلك السمك مقداراً جيداً من المواد الدهنية، وهذا المقدار يختلف باختلاف نوع السمك، كما  يحتوي على مقادير عالية من الفوسفور فالمائة غرام منه تحوي 230 – 240 ملغ فوسفور وترتفع هذه الكمية إلى 750 ملغ في سمك الطون، ولا يخفى ما للفوسفور من أهمية بالغة في حياة الأنسجة إذ يساعد العمود الفقري والأسنان على النمو كما يحقق التوازن الحامضي الأساسي في الدم واللمف والبول، أما الكالسيوم فإن خمسمائة غرام من لحم العجل أو العجائن الغذائية لا تزيد في محتواها منه عما يوجد في مائة غرام فقط من لحم السمك. كما للسمك فوائد طبية كثيرة، فالبحوث الطبية الحديثة بشأن زيت السمك وفوائده الكثيرة تؤكد أنه ذو مفعول قوي على خفض نسبة الكوليسترول الذي يتسبب في تصلب الشرايين، وهو يعمل على تقليل نسبة الدهون بالدم المسببة لأمراض القلب، ويعمل على خفض ضغط الدم ويساعد على منع الالتهابات الجلدية وعلاجها، ومنع التهاب المفاصل.

 

د. الصيد

ويقول سبحانه في سورة المائدة: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ونرى أن التعبير هنا لم يأت كالتعبير بشأن الأنعام، وإنما جاء على صورة أخرى تختلف من حيث العلوم ولا تختلف من حيث الفقه. أما من ناحية العلوم فيعبر الله سبحانه وتعالى بجعل الصيد من البلاء، وجعل التعبير بشيء للتبعيض ثم فصل بالكيفية التي ننال بها الصيد، وهي إما باليد أو بالرمح، والذي لا يقتصر في ظاهر المعنى على شكل الرمح المعتاد، وإنما أي شيء يمكن أن يستعمل لنيل الصيد من بعيد، أو الصيد القوي، الذي يخشى أن يهدد الإنسان، كأن ينقض عليه أو الذي يخشى أن يفر فلا يقدر على ملاحقته. ونعلم أن الصيد ليس في متناول الإنسان مطلقا، ولا من كسبه وإنما قد يصيب منه الإنسان، وقد ولا يصادف منه شيئا، كما أن من هذا الصيد ما يناله الإنسان بسهولة كبيض الطيور وفراخها والقنافذ وبعض الحيوانات الأخرى، وهناك كذلك ما يناله الإنسان بالرمح أو أي آلة من شأنها أن تسقط أو تقتل الصيد الذي يصعب أخذه باليد كالأرانب والغزلان والطيور والحمر الوحشية وما أكثر الصيد على ذلك النحو.

 

وعموما تضل الأبحاث العلمية حول لحوم الصيد ضئيلة وهزيلة جدا، بالمقارنة مع الأبحاث التي أجريت على الحوم الأخرى. وقد نقف على بعض النتائج العلمية التي تزيد من بيان صدق الرسالة المحمدية التي تحفظ البشر من كل خطر. ويجب أن يكتمل البحث العلمي لمعرفة خصائص ومنافع هذه اللحوم، ومدى أهميتها الغذائية بالنسبة للإنسان وهو سيد الكون الذي كرمه الله سبحانه وتعالى بالعقل والعلم ورزقه من الطيبات.

المواد الحيوانية المحرمة                                                   

        المواد الحيوانية المحرمة بالنص القرآني

 

إن الغاية من التحريم لها جانب نفسي يتعلق بالعقيدة والوجدان، وهو الرمز الذي يضعه الله للإنسان ليتذكره وليستجيب لحكمه كما نهى آدم عليه السلام عن الأكل من الشجرة ليجعله يتذكر، وهناك جانب عضوي علمي محض، وهو أن الله سبحانه وتعالى يحرم أشياء ليحفظنا من بعض الأضرار التي تتسبب فيها هذه المحرمات كما سنرى بالتفصيل. وقد شرع الله سبحانه وتعالى تحريم المأكولات لعلة يعلمها، وهو أعلم بنا من أنفسنا، ولقد أورد الله عز وجل المحرمات من الأطعمة الحيوانية في القرآن مجملة ومفصلة؛ فالأولى مثل قوله تعالى في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ}[البقرة: 173].

 

وقوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}[الأنعام: 145]. و في سورة النحل: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:115).

 

والمفصلة مثل قوله تعالى من سورة المائدة وهي آخر ما نزل من القرآن: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] .

 

لقد جمع القرآن في هذه الآية من سورة المائدة كل شرع  المحرمات من المواد الحيوانية بالنص، وقد جاء ذكرها بطريقة محكمة من حيث الحقائق العلمية. وهذه المحرمات التي فصلها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وزعت على خمس مجموعات أو فئات، الفئة الأولى تشمل الميتة وأنواعها المنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، والفئة الثانية تشمل الدم، والفئة الثالثة تشمل لحم الخنزير، والفئة الرابعة تشمل ما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب، وقد وردت هذه الفئات بنفس الترتيب في جميع السور التي ذكرت فيها. والتعبير القرآني يدل على أن هناك تقسيم وليس ترتيب من الناحية العلمية، لوجود خصائص إحيائية وفايزيولوجية تختلف حسب الفئات كما جاءت في السرد القرآني نظرا لتوافق هذه الخصائص عند كل فئة.

 

الفئة الأولى : الميتة وأنواعها

 

أ.الميتة

إن لحوم الميتة هي أولى الخبائث التي حرمها الله سبحانه وتعالى في جميع الآيات المذكورة. والميتة لغة هي ما فارقته الحياة. قال جماعة من اللغويين الميت والميت بالتشديد والتسكين لغتان، و يقال ميت بتسكين الياء لمن فارقته الروح أي مات فعلا، وميت بالتشديد لما لم يمت بعد، لقوله تعالى في سورة الزمر (30): {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}.  فلا زال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت لما نزلت هذه الآية، ولم يقرأ العرب الميت بالتخفيف على من لم يمت. والقراءة في الآية الكريمة بالتخفيف يعني الحيوان بعدما تفارقه الروح، ويطلق اسم الميتة في الاصطلاح الشرعي هي ما فارقته الحياة من غير ذكاة مما يذبح أي بدون ذبح وبدون ذكر اسم الله عليه، و ما ليس بمأكول فزكاته كموته كالسبع و نحوها. هذا فيما يخص الناحية الفقهية أو الشرعية أما من الناحية العلمية فالميتة هي كل حيوان مات حتفا، يعني بدون حادث خارجي كالضرب أو القتل بأي وسيلة كالسقوط من شرفة عالية أو الاصطدام بسيارة أو ما شابه ذلك. وطبعا فكل حيوان مات حتفا لا يكون الموت إلا بأحد الأسباب الفايزيولوجية المؤدية إلى الموت ومنها المرض أو التسمم، وليس هناك سبب ثاني لهذا الموت الذي لا يكون مفاجئا في أغلب الأحيان. وللفهم أكثر فالميت هنا يقابل المقتول من حيث الأسباب، وقد عم القرآن بالنص أو باللفظ الميت والمقتول في الآية، والمقتول بينه القرآن في أربعة أنواع، وهي المنخنقة والمتردية والموقودة والنطيحة، وذكر حالة خاصة ولو أنها تدخل إما مع الموقودة أو المنخنقة، وهي ما أكل السبع وهي كذلك من المقتول. فالميتة تموت لوحدها بدون سبب خارجي أو بسبب داخلي معروف، وهو المرض أو التسمم وقد نظيف المسنة، لكن المسنة تدخل مع المرض، لأن الحيوان المسن يصبح معرضا للمرض أكثر من الحيوان الصغير السن، وكل الحيوانات المسنة تموت بسبب عرض ما.  والمرض قد يشمل الأمراض الجرثومية كالباكتيريا أو الطفيليات أو الفايروسات، كما يشمل أمراض جديدة كداء جنون الأبقار، أو الحمى المالطية، أو زكام الدجاج أو الأنفلوينزا. وقد تكون الأمراض استقلابية أو فايزيولوجية أو كيماوية حية، كارتفاع الضغط عند الأبقار، أو الانتفاخ المفاجئ، أو أكل بعض الحشرات كالعناكب، أو أكل البلاستيك. وهناك كثير من الأعراض التي تدخل في هذا المجال، ومنها العوامل البيئية التي قد تسبب موت الحيوان كارتفاع مفرط في الحرارة، أو في البرودة أو الماء المعكر، أو العلف المعفن ببعض المايكوطوكسينات، أو الأعشاب المسممة بتأثير المكونات الكيماوية كالدايوكسين أو استهلاك بعض الأعشاب السامة. وبما أن الدم يبقى منحبسا داخل الأوعية الدموية وداخل الأنسجة، فإن كل الجراثيم المسببة للمرض أو الموت تشكل خطرا على من يستهلك هذه اللحوم وكذلك المواد السامة التي تسببت في موت الحيوان.

 

والحيوان الميت بهذه الأعراض، يكون غير صالح للاستهلاك حسب القياسات الصحية الدولية التي تعتمد على البيان العلمي والتحاليل المخبرية، ولم تكن هناك تحاليل كيماوية لما نزل القرآن، وبقي الناس من غير المسلمين على استهلاك بعض الحيوانات الميتة، وبعض المواد الخطيرة مثل الدم، كما لا يزالون على استهلاك الخنزير. وبما أن الإقرار بخطورة المحرمات من الأغذية أصبح جليا في عصر العلم، نرى أن البشرية أخذت ترجع إلى الرشد، ولو بعد وقت طويل تعذر فيه وصول القرآن إلى الناس لسبب من الأسباب. والاحتكام إلى الحقيقة العلمية يكون سهلا وملموسا، لأن العلوم الحقة سميت هكذا لقياسها، وكل ما يقاس بالأدوات لا يمكن أن يكذبه أحد. لكن ما لا يمكن قياسه كالنظريات الفلسفية يضل مبهما وصعب الفهم ولا يمكن الاحتكام إليه.

 

وأكثر مما ذكرنا فالعلوم تتشدد كثيرا فيما يخص صحة وسلامة الأغذية، خصوصا بعد ظهور الأعراض والأمراض الخطيرة التي باتت تهدد البشرية، وهذا التشدد يظهر في قوانين منع الحيوانات المصابة من الدخول إلى المجازر وحرقها، كما هو الأمر بالنسبة للأبقار المجنونة، والأغنام المصابة بالحمى المالطية، والطيور المصابة بالأنفلوينزا والزكام.

 

والعلة من التحريم هو ما جاءت به العلوم في هذا الصدد، وليس هناك بحث علمي واحد يبين أهمية المحرمات من جميع النواحي. بل ليس هناك بحث علمي واحد يتناول الميتة بجميع أصنافها، ولو أن هناك بعض الخلط في ميدان البحث العلمي بالنسبة للمقتول، وهو ما سنناقشه فيما بعد. وحسب التحليل والتفسير العلمي لهذه العلة نلخص بعض المعطيات كما يلي:

لما يموت الحيوان حتفا تتوقف الدورة الدموية والتنفس، ويبقى الدم محبوسا داخل الأنسجة، مما يجعل نشاط الماء مرتفعا، وهو ما يسهل نمو الجراثيم، وبما أن الأوكسايجن انقطع عن الجسم بتوقف التنفس، فإن الجراثيم اللاهوائية هي التي تبدأ في التكاثر. وهذه الأنواع من الباكتيريا هي التي تتوفر على أقوى الأنزيمات المحللة للدهنيات - الليبيز- والمحللة للبروتينات - البروتييز-  ونموها يكون سريعا، مع تحرير غازات بكمية كبيرة، وهو ما يؤدي إلى انتفاخ الحيوان الميت. وتشترك كل الجراثيم التي توجد في الميتة بأعداد هائلة في التحللات والتخمجات التي تقع بعد موت الحيوان ونخص بالذكر باكتيريا الكلوستريديم والبكترويدس والردوكوكات وباكتيريا الاجترار. وتتكون الغازات المنتجة من لدن الباكتيريا اللاهوائية من ثاني أكسايد الكاربون مع ثاني سولفور الهايدروجين، والحمضيات الطيارة المنحدرة من التحلل الدهني، والأمينات المنحدرة من التحللات البروتينية. وتعطي هذه الغازات روائح كريهة جدا نظرا لطبيعتها الكريهة.

 

                                                                                                   

 

صورة تبين تواجد الجراثيم اللاهوائية  (أبواغ Clostridium ) في الدم

 

ويتبع هذا التحول الأنزيمي والجرثومي فساد حالة اللحم الحسية، من حيث تشمئز النفس منه وهو ما يجعل المستهلك يرفضه، نظرا لضياع الجودة الحسية، وهذه الحالة هي التي يرتكز عليها قبول المنتج أو عدم قبوله. وكل التحولات الكيماوية التي تقع في هذا الوسط الخطير من حيث المكونات، تسفر عن مركبات أغلبها سامة كالأمينات السامة والطوكسينات الجرثومية والجراثيم نفسها لما تتكاثر الخ.

 

ب. أصناف الميتة المفصلة

تشمل هذه الفئة كل من المنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، وقد جاءت هذه الفئة في المرتبة الثالثة من حيث السرد القرآني. وشملت خمسة من الحيوانات التي يحرم أكلها، ونرى أن هذه الحيوانات التي جاءت كلها في المرتبة الثالثة وجاءت كذلك مرتبة فيما بينها لها ما يميزها من الناحية العلمية، لأن الترتيب لا يخص الشرع فكل الحيوانات التي جاءت في الآية محرمة. لكن من الناحية العلمية فهناك ترتيب يخص مستوى الخطر في الحيوانات الأربع.

 

 المنخنقة: هي التي تموت خنقاً، وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدميّ أو ٱتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه. وقد جاء في كتب التفسير أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها؛ وذكر نحوه ٱبن عباس. ولا تفرق كتب التفسير بين المنخنقة والمخنوقة، وما جاء في هذه الكتب يهم المخنوقة وليست المنخنقة، وهذه الأخيرة تعني الحيوان الذي ينخنق لوحده على إثر حادث، كأن يقع بين غصني شجرة، أو كأن يلتوي عليه الحبل الذي يكون مربوطا به، وفي هذه الحالة يكون الخنق مختلفا على خنق الإنسان. فالقرآن يدقق في التعبير وليس اللازم كالمتعدي في اللغة، فاختنق لا يكون بنفس معنى خنق، لأن المعنى الأول تلقائي والمعنى الثاني تدخلي. 

 

ومن الناحية العلمية فإن شد عنق الحيوان حتى يموت، يعني حبس الهواء والدم، ويؤدي حبس الهواء إلى توقف تزويد الدم بالأوكسايجن، وكذلك حبس الدم عن جميع الأعضاء ومنها الجهاز التنفسي،  فلا يتم نقل الهواء إلى الدم حيث يتشبع بثاني أوكسايد الكربون لعدم القدرة على استبداله بالأوكسايجن فيموت الحيوان.      

 

وهذه الطريقة لا تصنف ميتة لأنها قتل مقصود، والميتة هي الحيوان الذي يموت بدون تذكية لوحده دون قتله، وطبعا فإن الدم في هذه الحالة يبقى داخل الجسم ويعطي تسمما، لأن هناك مركبات عديدة ستتكون على إثر هذا الحادث كالأمينات السامة مثلا، وحيث يبقى الدم داخل الخلايا والشرايين فيكون وسطا غذائيا متواصلا داخل جسم الحيوان، ثم يبدأ في التحلل والفساد، وهذا الحادث يعطل جريان الطور الجيفي Rigor Mortis من حيث لا تكون التسوية Maturation على أحسن ما يرام، فيصبح اللحم خبيثا من الناحية الحسية، ويصبح مصدرا للأمراض عوض أن يكون مصدر مواد غذائية نافعة. وقد يترتب عن الموت بالخنق حوادث فايزيولوجية خطيرة، كما قد يترتب على انحباس ثاني أوكسايد الكربون وسط خالي من الأوكسايجن، وهو ما يجعل الظروف البيئية داخل الجثة ملائمة ومثالية لنمو الجراثيم اللاهوائية، وهي الجراثيم المحللة أو المفسدة، فتبدأ بالنمو داخل الجثة وهو ما يطلق عليه الفساد أو الإنتان الداخلي، فيترتب على هذا النمو انتفاخ الحيوان من جراء غازات داخل الجثة، وحيث تنحبس هذه الغازات تجعل اللحم ينتفخ كما تظهر روائح كريهة جدا من جراء التحلل الناتج عن هذه الجراثيم وأشهرها Clostridium . يعتبر التسمم الناتج عن سمينات نوع Clostridium  من أخطر التسممات الغذائية، والتي قد تسبب الموت في وقت قصير، من حيث يمكن للمصاب بهذا التسمم، أن يفارق الحياة ساعات قليلة بعد تناول اللحم الملوث بسمين هذا النوع. ولإعطاء فكرة عن هذا السمين، ويسمى كذلك سمين البوتلين، فإن كمية قليلة تعد بالغرام قد تقضي على مجموع سكان المعمور. ومما يشكل خطورة قصوى عند هذا الجرثوم هو كونه يتبوغ، بمعنى أنه تحت الشروط الغير الملائمة للنمو، فإنه يتحول إلى بوغة مقاومة لجميع المتبطات من حرارة ومبيدات وحموضة، وهو الشيء الذي يشكل خطرا كبيرا .ومن خاصية هذا النوع أنه مقاوم للحرارة، من حيث لا تتأثر بوغاته بالحرارة العادية، كما أن بعض البوغات قد تفلت لحرارة التعقيم التي تصل إلى حدود 120°م، وهي الدرجة الحرارية التي تعقم بها المصبرات اللحمية.

 

ويساعد كذلك الوسط الخالي من الأوكسايجين أو المشبع بثاني أكسايد الكاربون على وقوع كثير من التفاعلات الكيماوية داخل خلايا العضلات، ومنها تحليل البروتينات إلى حد الجمضيات الأمينية، حيث تتحول هذه الأخيرة بدورها إلى أمينات طيارة مسممة لإحداثها لحساسية الجسم التي تظهر على شكل بقع حمراء على الجلد. وتحلل الدهنيات كذلك لتعطي رائحة الزنخ وهي روائح كريهة جدا خصوصا لما تجتمع مع الأمينات والسولفيدات الطيارة المنحدرة من التحلل البروتيني ويأتي غاز حمض سولفور الهايدروجين والأمونياك على رأس هذه المركبات.

 

الموقودة:

قوله تعالىٰ: {وَٱلْمَوْقُوذَة} الموقوذة هي التي تُرمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية؛ عن ٱبن عباس وٱلحسن وقتادة وٱلضحاك وٱلسدّي؛ يُقال منه: وَقَذَه يَقِذُه وَقْذاً وهو وَقِيذ. والوَقْذ شِدّة الضرب، وفلان وقيذ أي مثخن ضرباً. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها.

 

وهي الحيوان الذي يضرب حتى يموت ثم يؤكل، فيتكون رشاش دموي في العضلات نتيجة الضرب، وتشبه هذه الطريقة ما يفعل بالحيوانات في المجازر الغربية حيث يضرب الحيوان بالمطرقة قي رأسه أو يدخل وتد في مخه أو يصعق بالتيار الكهربائي وتصنف هذه الذبيحة مع الموقودة من الناحية الشرعية، فالخطر موجود وربما يكون أكبر من خطر المنخنقة، خصوصا وأن الصعق الكهربائي ينشط كثيرا من التفاعلات الكيماوية داخل الأنسجة ويحفز تكون بعض المركبات العضوية المنحدرة من التحلل الأنزيمي. وحيث يضرب هذا الحيوان إلى الموت فلابد أن يصيبه الضرب في أماكن حساسة كي يموت نتيجة نزيف داخلي.

 

المتردية:

المتردية هي التي تتردّى من العلو إلى السفل فتموت كشرفة أو حائط أو جبل؛ وهي متفعِّلة من الردى وهو الهلاك؛ وسواء تردَّت بنفسها أو ردّاها غيرها. وكانت الجاهلية تأكل المتردّي ولم تكن تعتقد ميتة إلاَّ ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف؛ فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة؛ فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة على ما يأتي بيانها، وبقيت هذه كلها ميتة، وهذا كله من ٱلمُحْكَم ٱلمتفق عليه.

 

والمتردية مثل الحيوان الذي يضرب، إلا أن هذه الحالة الأخيرة لا تعذب كثيرا مثل الموقودة، وإنما قد تبقى وقتا طويلا قبل أن تموت بالمقارنة مع الموقودة والمنخنقة، وهي بنفس الخصائص الفايزيولوجية من حيث الأخطار الصحية، لأن الدم يبقى في اللحم ولا يفرغ كما أن التردي من مكان مرتفع قد يؤدي إلى كسر العظام، وكل هذه الحوادث تؤدي إلى تلوث اللحم وفساده كما تؤدي إلى تكون بعض المركبات السامة.

 

النطيحة:

قوله تعالىٰ: { وَٱلنَّطِيحَةُ } النطيحة فعِيلة بمعنى مفعولة، وهي الشاة تنطحها أُخرى أو غير ذلك فتموت قبل أن تُذَكّى.  هي الحيوان الذي ينطحه حيوان آخر بالقرون، فإما أن يكون نتيجة تناطح الذكور فيموت أحدهم، وإما أن يكون من لدن بهيمة شاردة تنطح أخرى، ففي الحالة الأولى يقع النزيف في الدماغ وفي الحالة الثانية فإن الإصابة غالبا ما تكون في الجانب، فيصيب الأوعية الدموية الجانبية بتمزق، وهو النزيف الذي يؤدي إلى موت الحيوان في الحال.

 

والنطيحة تكون كذلك بنفس الخصائص التي ذكرنا فيما يخص المتردية والموقودة، فهي لا تفرغ من دمها وتنتن بسرعة وكل لحوم هذه الفئة تكون خطيرة من الناحية الصحية، كما تكون بجودة حسية متدنية من حيث الرائحة واللون والمذاق وما إلى ذلك.

 

وما أكل السبع

قوله تعالىٰ: { وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ } يريد كل ما ٱفترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمِر والثّعلب والذئب والضَّبُع ونحوها، هذه كلها سباع. يُقال: سبع فلان فلاناً أي عَضّه بِسنِّه، وسَبَعه أي عابه ووقع فيه. وفي الكلام إضمار، أي وما أكل منه السّبع؛ لأنّ ما أكله السّبع فقد فَنِي. ومن العرب من يوقف ٱسم السّبع على الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السبع شاة ثم خلصت منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها؛ قاله قتادة وغيره.

 

وتشمل هذه الفئة ما أكل السبع. ونعلم أن السبع يقتل الحيوان بقوة، وهو ما يجعل اللحم أولا غير قابل للاستهلاك على المستوى الحسي، لأن الحيوان يكون قد تم تعذيبه، بمعنى أن الأسد يأخذ الفريسة بقوة ويأخذها من العنق، ثم ينتظر حتى تموت، وهو شيء يشبه المنخنقة، لكن الانخناق هنا يطاله مرور بعض الأشياء الخطرة من لعاب الأسد إلى دم الحيوان، ومن تم إلى اللحم فربما كانت هناك جراثيم خطيرة، وربما كانت هناك فيروسات كما هو معروف عند الحيوانات المفترسة. والعض بالأنياب من العنق، يجعل هذه الأشياء تحقن حقنا في الورد، الذي ينقلها إلى الجسم كله. فالميتة التي أكل منها السبع أو قتلها السبع تعتبر خطيرة، وتكون بنفس المستوى الذي تحرم به الميتة بالمرض أو بالضرب، لذلك لم يقبل العلماء الترتيب في الآية على أساس درجة الخطر، وإنما كل الموصوفات من الميتة هي حرام على المسلم. ويقاس على كل ما أكل السبع ما أكلت الحيوانات المفترسة الأخرى كالنمر والذئب والكلب لأن الحيوانات المفترسة تقتل الفريسة أو الحيوان بنفس الشكل أي الخنق، ولا تبدأ في الأكل إلا بعد قتلها، ونعلم جيدا مدى تعفن وتلوث هذه الحيوانات المفترسة كالذئب والكلب والسبع والنمر والتعلب وما تحمله من الجراثيم والفايروسات والطفيليات الخطيرة.

 

وفي قوله تعالى: { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } نصب على الاستثناء المتّصل عند الجمهور من العلماء والفقهاء، وهو راجع على كلّ ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة؛ فإن الذكاة عاملة فيه؛ لأن حق الاستثناء أن يكون مصروفاً إلى ما تقدّم من الكلام، ولا يجعل منقطعاً إلاَّ بدليل يجب التسليم له. قوله تعالى: { ذَكَّيْتُمْ } الذكاة في كلام العرب الذبح؛

 

قوله تعالى: { ذَكَّيْتُمْ } الذكاة في ٱللغة أصلها التمام، ومنه تمام السِّنّ. فمعنى «ذَكَّيْتُم» أدركتم ذكاته على التَّمَام. فالذكاة في الذبيحة تطهيرٌ لها، أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدّم وفَرْي الأوْدَاج في المذبوح، والنحر في المنحور وٱلعَقْر في غير المقدور، مقروناً بنية القَصْد لله وذِكره عليه.

 

ومن الناحية العلمية فمن المعلوم أن الدم هو مكمن تحريم أكل اللحوم من دون تذكية وإن شرعنا القويم إنما قصد تفريغ الذبيحة منه على أقصى درجة ممكنة، وما ذاك إلا للضرر البالغ الناتج عن أكلها بدمائها، فالمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إذا ذكيت قبل موتها يقود ذلك إلى إخراج سائل الدم على الأخص الفاسد منه بأكبر كمية ممكنة خارج الجسد فتخلو منه حتى أدق الشعريات ويتخلُّص بذلك من المنتجات السامة والعوامل الممرضة كالميكروبات والسموم المختلفة الغير المرغوب بها في الخلايا وسوائلها الخارجية بواسطة الدم المتدفق خارج الذبيحة.

 

إن الميتة المذكورة في كتاب الله عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام: " أُحِلّت لنا مَيْتَتَانِ الحُوتُ والجراد ودَمانِ الكبدُ والطحال " أخرجه الدَّارَقُطْنِي، وكذلك: حديث جابر في العَنْبَر يخصص عموم القرآن بصحة سنده. خرّجه البخاريّ ومسلم و قوله صلى الله عليه وسلم ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) (صحيح البخاري) مع قوله تعالى:{ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } المائدة: 96.

 

أ.ميتة الحوت

جاء في لسان العرب، الـحُوتُ: السمكة، وفـي الـمـحكم: الـحُوتُ: السمك. و قد جاء ذكر كلمة الحوت في أربع آيات من القرآن الكريم : في قصة سيدنا موسى مع الخضر حيث قال عز وجل في سورة الكهف، الآية 61 " فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا" وفي الآية 63 "قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً"، وفي قصة سيدنا يونس، قال تعالى " فالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (الصافات: 142) وقال أيضا "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ" ( القلم: 48).

 

نتبين من كتب التفاسير أن الحوت الذي كان يحمله فتى سيدنا موسى كغذاء ليس بنفس حجم الحوت الذي التقم سيدنا يونس، ومن تم فكلمة "حوت" تطلق على جميع أنواع السمك الثدييات منها والغير الثدييات، هذا من الناحية اللغوية للفرق بين الحوت والسمك، أما بالنسبة لميتة السمك والحكمة من استثناء ميتتها بالتحليل، فهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى البنية التشريحية للسمك، واختلاف دورته الدموية وأعضائه التنفسية عن الكائنات البرية، فالأسماك من الحيوانات الفقارية ذوات الدم البارد التي تعيش في الماء وبذلك تختلف دورتها الدموية عن نظيرتها عند الحيوانات البرية، فالسمك يتوفر على دورة دموية أحادية، وقلبه يحتوي على غرفتين فقط Single pump، بخلاف قلب الإنسان والطيور والثدييات التي لها أربع غرف قلبية كما يوضح الشكل التوضيحي رقم 1. وتلعب الخياشيم عند الأسماك دور الرئة في عملية التنفس، فبمجرد موت السمكة يتدفق الدم من كافة أنحاء الجسم إلى منطقة الخياشيم المتموضعة في منطقة الرأس، في حين تتفرغ سائر الأعضاء منه. بعد اصطياد السمك وقبل تناوله نزيل الرأس الذي تتموضع فيه هذه الخياشيم، وبذلك نتخلص من الدم، موطن الخطر الصحي بالنسبة للإنسان، كونه مرتعا لنمو وتكاثر الجراثيم، والذي هو مكمن التحريم في ميتة الحيوانات البرية، وبذلك نكون قد حصلنا على لحم طري خال من الأخطار الصحية وقد أثبتنا ذلك في مختبرنا، إذ يكاد يخلو لحم السمك الطري مباشرة بعد موته من أي نوع من الجراثيم الممرضة، مما يفسر لنا عدم الحاجة إلى الذبح فقطع الرأس بعد الموت عند الأسماك يقوم مقام الذبح عند الأنعام والطيور والله أعلم.

 

 

                       

شكل رقم1: الدورة الدموية عند الأسماك (اليسار) وعند كل من الطيور والثدييات البرية (اليمين)

 

ب.ميتة الجراد

الجراد : في  الصحيحين: عن عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد .وفي  المسند  عنه : " أحلت لنا ميتتان ودمان : الحوت والجراد ، والكبد والطحال " . يروى مرفوعاً وموقوفاً على ابن عمر رضي الله عنه .

 

وجاء في كتاب الطب النبوي لإبن قيم الجوزية أن الجراد وهو حار يابس ، قليل الغذاء ، وإدامة أكله تورث الهزال ، وإذا تبخر به نفع من تقطير البول وعسره ، وخصوصاً للنساء ، ويتبخر به للبواسير، وسمانه يشوى ويؤكل للسع العقرب ، وهو ضار لأصحاب الضرع ، رديء الخلط ، وفي إباحة ميتته بلا سبب قولان ، فالجمهور على حله ، وحرمه مالك ، ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات بسبب ، كالكبس والتحريق ونحوه .

 

ينتمي الجراد إلى شعيبة الفقاريات Vertebrata Subphylum التابعة لشعبة مفصليات الأرجل Phylum Arthropoda. صف الحشرات. والحشرات  مجموعة من الكائنات الحية، من المملكة الحيوانية  وهي لا حبلية، أي لا نخاع شوكي أو حبل شوكي لها. والجراد من الحشرات مفصليات الأجنحة Orthopteroida، وهي من ذوات الدم البارد بخلاف الأنعام والطيور وجميع أنواع الصيد ذات الدم الساخن. والجراد كمعظم الحشرات ليس لديه دم بالمعنى العلمي المحض كما هو شأن الحيوانات الفقارية، فدم الجراد عبارة عن سائل أخضر إلى أخضر شفاف يسمى علميا ب Hemolymphe، وهو لا يحتوي على كريات الدم الحمراء والخضاب الدموي، لكنه يتوفر فقط على كريات الدم البيضاء. يقوم هذا السائل اللمفاوي الأخضر بتوزيع المواد الإقتياية على الخلايا ويحمل المركبات السمية خارجها كما هو شأن دم الحيوانات الفقارية، لكنه بعكس هذه الأخيرة يلعب هذا السائل دورا شبه منعدم في وظيفة التنفس، أي حمل وتوزيع ذرات الأكسايجن في الجسم لافتقاده للخضاب الدموي المسؤول عن هذه الخاصية في الحيوانات الفقرية، والذي يعطي دمها لونه الأحمر. أما الدورة الدموية عند الجراد، دورة بسيطة تتم عبر أنبوب، مفتوح النهايتين،  يخترق سائر الجسد من أوله لآخره، والذي يسمى بالقلب رغم أنه مختلف تمام الاختلاف عن نظيره عند الحيوانات الفقرية (شكل رقم 2 و3) ليدفع الدم من خلال وعاء الأورطة الذي يمتد بطول الحشرة. وبه ما يشبه مضخة القلب لدفع الدم ليعود الدم من خلال الفراغات بالجسم. أما بالنسبة لخاصية التنفس فتدوير الأكسجين بالجراد، كما شأن معظم الحشرات،  يتم من خلال نظام تفرعي يضم أنابيب مملوءة بالهواء تسمي القصبات التي تصل لعمق جسم الحشرة ولتصل لكل الخلايا و هي متصلة بالهواء الخارجي بفتحات دائرية دقيقة بطول البطن.

 

وكما بينا من خلال الفقرة السابقة فالجراد لا يحتوي على الدم، كما هو الشأن بالنسبة للحيوانات الفقارية، ومن المعلوم كما أسلفنا في التفسير العلمي لتحريم الميتة، أن العلة من التحريم هو انحباس الدم في هذه الأخيرة وعدم خروجه منها، وكما سنتطرق لذلك، فالدم عند كل من الأنعام والطيور وصيد البر يكون محملا بكل من السموم والجراثيم الممرضة، بسبب تركبته الغنية بالمواد الاقتياتية والعناصر الضرورية (جدول رقم 1) التي تجعل منه وسطا غنيا ملائما لنمو وتكاثر الجراثيم والطفيليات الخطيرة، في حين تنعدم هذه العناصر والمركبات في السائل الذي يقوم مقام الدم عند الجراد، إذا فالعلة التي من أجلها حرمت الميتة عند الحيوانات الأخرى مفقودة عند الجراد، وبذلك يسقط الحكم عنه.

 

 

 

A- رأس

B- صدر
C- بطن

1.          قرن

2.          أوسيلي ( ينخفض )

3.          أوسيلي ( كعب )

4.          عين مركّبة

مخّ ( دمامل مخّيّة )

6.           مقدّم الصّدر

7.           شريان خلفيّ

8.      أنابيب متعلّقة بالقصبة الهوائيّة ( جذع بالفتحة التّنفّسيّة )

9.           صّلا

10.      مؤخّر صدر

11.      الجناح الأوّل

 

12.   الجناح الثّاني

13.   معي أوسط ( معدة )

14.   قلب

15.   مبيض

16.   مصران ( أمعاء، المستقيم و فتحة شرج )

17.   فتحة شرج

18.   مهبل

19.   نغمة العصب

( دمامل بطنيّة )

 

20. أنبوب ملبيجي

21. وسادة

22. مخالب

23. كاحل

24. قصبة ساق

25. عظمة فخذ

26. الرّضفة

 

27. بلعوم أمامي ( محصول، الأحشاء )

28. دمّل صدريّ

29. ورك

30. غدّة لعاب

31. دمّل سبيسوفيدجال

32. موثبارتس

 

 

شكل رقم 2  : تشريح جسم الحشرة (عن موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرةwww.wikipedia.org )

 

                                    

                         شكل رقم 3 : صورة تنبين تفاصيل الدورة الدموية عند الجراد

.

2. الفئة الثانية :الدم المسفوح

لم يكن من باب المنطق أن يحرم الله الميتة وأنواعها لعدم تفريغها من الدماء بتذكيها ، ثم يعود فيبيح شرب أو أكل الدماء ذاتها مسفوحة خارج الذبيحة ، ومن أجل ذلك كان أمراً حتمياً أن يحرم الشرع الحكيم الدماء كسبيل لتغذية الإنسان ، بل إن تحريمها يعد علامة ظاهرة على الحكمة والمقصد الشرعي من تذكية الحيوان بتجريده منها باعتبارها واحدة من أعظم الخبائث من الأطعمة . فالعلة الموجودة في الميتة هي نفسها الموجودة في الدم، لأن هذا الخير هو مصدر الخطر، فإذا بقي منحبسا يظل يشكل خطرا على صحة الإنسان في اللحوم الغير المذبوحة، وإن أخذ من الحيوان مباشرة فهو الوسط الغني بكل الإذايات  الموجودة في الحيوان.

 

أما الدم فمن الناحية الكيماوية، يكون غنيا جدا بالعناصر المغذية، ولذلك فهو صالح لنمو الجراثيم، التي قد تكون فيه أصلا، أو قد يصاب بها أثناء أخذه من الحيوان، وهناك العديد من الأنواع الجرثومية التي تفتك بحياة الإنسان، والتي قد تأتي من تناول الدم. ويعتبر الدم كذلك من الأوساط التي تحفظ كل أنواع الجراثيم، من باكتيريا وفايروسات وطفيليات. كما يمكن أن يأتي بالأنواع التي لا يمكن أن نجدها في المواد الغذائية العادية، كالحليب واللحم والسمك، ومنها الفايروسات على الخصوص التي إن وجدت في الدم واستهلكه الإنسان، يكون من أخطر ما يمكن أن يتعرض له. والدم هو الوسط الوحيد الذي يحفظ الفايروسات وينقلها إلى جسم الإنسان. ونعلم أن الدم يشكل بيئة خصبة ملائمة لنمو الميكروبات وتكاثرها وهذا واضح في المختبرات المتعلِّقة بالجراثيم، إذ يشكِّل غراء الدم وسطاً مناسباً لاستنبات الكثير من أنواع الجراثيم ضمن الاختبارات والفحوص المختلفة)  شكل رقم ( 4 .

 

 

                               

 

شكل رقم 4: صورة للوسط الغذائي الدموي

 

إن الدم الذي جاء في الآية هو الدم المسفوح، يعني الدم المأخوذ من الحيوان بعد الذبح أو بطرق الجرح أو بأي طريقة أخرى فيجمع ثم يستهلك كمادة غذائية. أورد الطبري في تفسيره : وأما قوله : ( أو دماً مسفوحاً ) فإن معناه أو دماً مسالاً مهراقاً وفي اشتراطه جل ثناؤه في الدم عند إعلامه عباده تحريمه إياه المسفوح منه دون غيره الدليل الواضح أن ما لم يكن منه مسفوحا فحلال غير نجس. وهذا النوع من الدم يكون أكثر خطورة من الدم المتبقي في الأنسجة بكمية ضئيلة جدا. وقد كان معروفا قبل مجيء الإسلام، أن الدم كان يستهلك كأي مادة غذائية أخرى. وقد يجمع إما أثناء الذبح أو قد يؤخذ من الحيوان الحي دون ذبحه. ويستهلك هذا الدم طازجا في أغلب الأحيان كما كان يطبخ أو يسخن على النار ثم يؤكل. ولما جاء الإسلام حرم الدم ولم يعرف الناس العلة من التحريم، كما لم يعرفوا العلة من تحريم الخنزير والذبح على النصب، وإن كانوا قد عرفوا العلة من تحريم الميتة والخمر. وبما أن الناس آمنوا بربهم وبالقرآن وبصدق الرسالة المحمدية، والذي يؤمن بالله لا يسأل عن العلة، ولا تهمه العلة أكثر ما يهمه إرضاء الله عز وجل. وقد علل المسلمون أن كل المحرمات فيها أذى وخبيثة وخطيرة دون بحث علمي. وفي عصرنا أصبحنا نقف على الحقائق التي جاء بها القرآن، والتي كانت تتطلب الإيمان أكثر من العلة، لأن الله سبحانه وتعالى كان يعلم أن العلوم ستأتي وسيكون هناك بيان لكل الأشياء.

 

التركيبة الكيميائية للدم عند الخروف  جدول رقم1   (Cox-Ganser et al., 1994 )

                                                                 

 

 

هناك أمراض كثيرة لا يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان عبر الحليب أو اللحم لكنها تنتقل عبر الدم، وهناك مكونات خطيرة تتكون في الدم حال أخذه من الحيوان من حيث بخروجه من الجسم يبدأ في التجلط لأن ترسب الهيموكلوبين في غياب الأوكسايجين يقع حتما، ومع تجلط الدم تبدأ الأمينات السامة في التكون. لأن التحلل يكون سريعا نظرا لوجود حمضيات أمينية حرة في الدم بتركيز يسمح بتكون قدر مسبب للتسمم والحساسية. ونجد من بين هذه الأمينات الهستامين والكادافرين والبوترسين وأخرى كثيرة ومتعددة.

 

ونعلم في ميدان علوم التغذية، أن المواد الأمينية تتحول بعد موت الحيوان إلى مواد سامة قاتلة (Putrescin, cadaverin etc..)   والدم هو الوسط الذي تلتقي فيه كل المواد الغذائية، ومن بين هذه المواد ما هو نافع كالاقتياتيات، ومنها ما هو ضار كالسموم والسمينات، التي تتكون عبر المفاعلات الكيماوية، أو التي تفرزها الكائنات الحية الدقيقة الموجودة داخل اللحم كالأنواع المتطفلة، ويساعد الدم في الحيوان الغير المذبوح على هذه التحولات . ولهذا نجد أن تناول الدم كمادة غذائية، لا يصح بتاتا، ولا يتفق مع القواعد العلمية في الميدان الغذائي، وخصوصا ميدان صحة وسلامة الأغذية.

  

واستهلاك الدم لم يعد معروفا إلا بالنسبة للإنسان والحيوان معا، من حيث يتم استعمال الدم في الكثير من الوصفات الغربية كالسجقات والنقانق. أما بالنسبة للحيوان فيتم تجفيف الدم للحصول على مسحوق الدم الذي يستخدم في كثير من العلائق العلفية. وإذا كانت العلوم توصلت إلى معرفة الخطر المتمثل في استهلاك الدم مؤخرا، فإن الإسلام قد حفظ البشرية منذ القدم، ومنذ قرون عديدة، وهذا يحتم علينا الأخذ  بالشرع، وبما جاء في كتاب الله عز وجل قبل الأخذ بالعلوم، واتباع شرع الله بدل اتباع شرع البشر، فيما يخص كثير من المحرمات وكثير من المواد المشبوهة، خصوصا تلك التي غير فيها الإنسان المجرى الطبيعي كالعديد من المنتجات النباتية والحيوانية والجرثومية.

 

وقد عفى الشرع الحكيم عن قليل الدماء لعدم إمكانية التحرز منه، وعدم تحقق الضرر فيه، ولذلك جاء النص القرآني بتحريم الدم الموصوف بالمسفوح"  أو دما مسفوحا" (الأنعام:145) وهذا يدل على أن الدم الذي يبقى عالقًا في اللحم غير داخل في التحريم، ومن جملة ذلك الكبد والطحال اللذان أحلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " أُحِلّت لنا مَيْتَتَانِ الحُوتُ والجراد ودَمانِ الكبدُ والطحال " رواه أحمد والشافعي وابن ماجة والبيهقي والدار قطني. وفي قوله عليه الصلاة والسلام " دمان " وجه من أوجه الإعجاز. فقد أسماهما عليه السلام (دمان) لكثرة الدم والعروق الدموية فيهما، نسبة إلى الأعضاء الأخرى، فإنهما يمتازان بميزات دموية دورانية وهي غنى الشبكة الشعيرية فيهما، فكل من الكبد والطحال يحتجز كمية من الدم في شباكه الشعيرية. فالكبد يمثل مصدرا للحديد الضروري لتكوين خضاب الكريات الحمراء، أما الطحال فهو عضو إسفنجي رقيق أحمر- أرجواني يعد أكبر عضو لمفاوي في الجسم، ويتكون الطحال من كل من العنصر اللمفاوي أو ما يسمى اللب الأبيض، والعنصر المرشح أواللب الأحمر، ويعمل الطحال كمستودع ومنقٍ للدم إضافة إلى وظائفه المناعية، حيث يتلقى الطحال 5-6 في المائة من النتاج القلبي، ويحتوي على حوالي 125ملجرام من الدم عند الإنسان، حيث يزود الجسم بالدم في حالة حدوث نزيف. ويقوم الطحال بتوليد كريات الدم الحمراء في أجنة الثدييات، ليتحول بعد ذلك إلى خزان لهذه الكريات ولحديدها، ويعتبر أيضا مدفنا للكريات الحمراء والصفائح الدموية الهرمة، مما يجعله والكبد أكثر الأعضاء عند الأنعام غنى بمكونات الدم.

 

وفيما يخص البنية التشكلية لهذان العضوان فهما لا يحتويان على ألياف عضلية، وهي الألياف التي تعطي للحم التماسك والقوة اللازمة المميزة للعضلات، وبهذا المعنى يكون الطحال والكبد عبارة عن كتلة دموية فقط يحيط بها غشاء سميك  (شكل رقم  5و6) وتكون خلايا العضوان خلايا هشة وقابلة للانتفاخ والامتلاء بالدم لتكون بنية دموية شبيهة بالدم المكبد، ولذلك جاز التعبير بالدم لقوله صلى الله عليه سلم "دمان" والمعنى محمول من الناحية العلمية على الحقيقة، وليس على المجاز. وقد يسهل فهم أو تصور بنية الطحال أو الكبد لما نجري التجربة التالية، من حيث إذا طحنا الطحال والكبد ووضعنا كل منهما في إناء شفاف، ثم طحنا اللحم وقارنا بين الثلاث فإن الطحال والكبد سيشبه الدم المكبد، بلون أحمر داكن، بينما يبقى اللحم صلبا وتظهر عليه البنية التشكلية المكونة من الشحوم والألياف العضلية. ويخرج هذا النوع من الدم أي الطحال والكبد من التحريم لأنه ليسا دما مسفوحا بمعنى ليس دما يجري في الأوعية الدموية كما هو الشأن بالنسبة لدم الذبح أو دم الجرح، فالدم المنحبس في العضلات والطحال والكبد لايجري عليه التحريم لأنه دم نسيجي وليس دما مسفوحا والفرق من الناحية العلمية وهو وجه الإعجاز كذلك بين الدم المسفوح والطحال والكبد، هو أن الأول يحتوي على كل سموم الجسم من كيماويات وهرمونات وطوكسينات وجراثيم وفايروسات وطفيليات وبرايونات أما الثاني فيحتوي على كل مكونات الدم الغذائية بمعنى أنه خزان للفايتامينات والأملاح والبروتينات والمركبات المناعية النافعة.

 

            

شكل رقم5 : صورة تشريحية مكبرة 400 مرة

لكبد الإنسان

شكل رقم 6: صورة تشريحية لطحال :WP : اللب الأبيض :RP ,اللب الأحمر

 

 

أما من الناحية الغذائية فيعتبر الكبد أكبر أعضاء بهيمة الأنعام، وهو بالإضافة إلى الحديد يقوم بتخزين سكر الجلوكوز في شكل نشاء حيواني وبعض المعادن الأخرى بالإضافة إلى الفيتامينات المهمة التي تذوب في الدهون. فالكبد يحتوي على معظم الفيتامينات فهو غني بالفيتامينات آ ـ A  ومجموعة من الفيتامينات ب ـ B  وحمض الفوليك والفتامين هـ ـ H   وفيتامين   Cوغني بالمعادن الضرورية للجسم كزنك وسيلينيوم والحديد الذي يسبب نقصانها عدة أعراض صحية، كما يقوم الكبد بتصنيع مئات الأنواع من البروتينات التي يحتاج إليها الجسم في بناء خلاياه المتعددة في الأعضاء المختلفة.

 

أما من الناحية الغذائية فيعتبر الطحال إلى جانب الكبد من أغنى الأعضاء في الذبيحة من حيث القيمة الغذائية، فهو غني بالمعادن الضرورية للجسم كالحديد والزنك والسيلينوم والفوسفور ونياسين وكذا بالفيتامينات الهامة كفيتامين A وفيتامين  B6و B12.

 

الفوائد العلاجية للكبد والطحال

لقد أثبتت الدراسات المختلفة على أهمية استعمال خلاصات الكبد في علاج فاقات الدم المختلفة وذلك لغناه بعنصر الحديد والزنك والفيتامينات المختلفة، وخاصة فيتامين B12، العامل المنضج لكريات الدم الحمراء وكذا بالخضاب الدموي. كما يفيد مستخلص الكبد المرضى المصابين بالقصور الكبدي والأمراض الأخرى التي تضطرب فيها وظيفة الخلايا الكبدية كالوظيفة الصفراوية والسكرية وخاصيته المضادة للسموم. فقد أكدت التجارب أن مستخلص الكبد يفيد في الرفع من معدل حياة الفئران المصابة بالقصور الكبدي. وفي أحدث الدراسات التي أجريت في جامعة كيو اليابانية، أثبت الباحثون أن استعمال مستخلص الكبد مع Interferon-β يرفع من فعالية هذا الأخير في معالجة الالتهاب الكبدي الفيروسي س.

أما بالنسبة للطحال فقد استعملت مستخلصاته منذ أكثر من 80 سنة لتقوية وظائف الطحال الغير المكتمل النمو ومن تم تقوية الجهاز المناعي. فالدراسات التي أقيمت منذ الثلاثينات من القرن الماضي  أكدت أن تناول مستخلصات الطحال يرفع من معدل كريات الدم البيضاء، وهي بذلك تساعد في معالجة بعض الأمراض الخطيرة كالملاريا وحمى التايفوييد. أما في أحدث الأبحاث فقد أثبت العلماء أن حقن مستخلص الطحال يعتبر ذا فعالية كبيرة في معالجة الكثير من الأعراض، خاصة الفاقة الدموية وفقر الدم الخبيث، ولتقوية الجهاز المناعي، فمستخلص طحال الأبقار يعرف في ألمانيا استخداما واسعا لعلاج العديد من الإصابات، ولتقوية جهاز المناعة لدى المصابين بالسرطان. ومن أهم مركبات الطحال المنشطة للجهاز المناعي نجد كل من مركب  Tufsin ومركب Splenopentin،  فالتيوفسين تساعد خلايا الدم البيضاء على التخلص من الأجسام الغريبة، بما في ذلك البكتيريا الضارة والخلايا السرطانية ، ونقصانه في جسم الإنسان يؤدي إلى تكرار حدوث الإصابات والالتهابات الجرثومية. وأفادت أبحاث أخرى أن مركب التيفسين يفيد في الوقاية من النزيف الداخلي للمخ ، في حين يقوم مركب Splenopentin برفع استجابة الجهاز المناعي لبعض العوامل التي تخفز توليد الخلايا اللمفاوية ومنها مركب  Interleukin -3 ومركبات أخرى كمركب CD2R  وIl-2 )، كما يرفع مركب Splenopentin من نشاط الخلايا اللمفاوية القاتلة  Natural Killer التي تستهدف الخلايا المستوطنة بالفيروسات وكذا الخلايا السرطانية.

 

3- الفئة الثالثة:  لحم الخنزير  Pork meat

 

أما لحم الخنزير، فمن الناحية الصحية، لا يمكن أن ينكر أحد من أصحاب الميدان مدى خطورته، كما أن هناك أشياء أخرى لا زالت العلوم بصددها، ولو أننا لا نحتاج علوما فيما يخص هذه المادة. فالتحريم يعتبر شرعا، ولا يتطلب علوما، ولا توضيحا لتطبيقه، لأنه يتعلق بالعبادة وليس بالتربية الصحية، والعبادة لا يمكن مخالفتها بينما التربية الصحية يمكن مخالفتها. ولابد من الناحية العلمية، أن توافق السنن الشرعية السنن الكونية، فبما أن الله عز وجل حرمه، فتحريمه رحمة للبشرية، والعلة في تحريمه موجودة وواضحة. ولحم الخنزير يمثل خطرا على صحة الإنسان وسلوكه، كما سنتطرق إلى ذلك بالتفصيل.

وقد أورد النص القرآني تحريم لحم الخنزير في أربع مواضع :

 

1ـ قوله تعالى : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:173)

 2ـ و قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3)

 3ـ و قوله :( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:145)

 4ـ و قوله : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:115).

 

من خلال هذه الآيات الكريمة نرى أن الله عز من قائل قد علل النهي عن أكل لحم الخنزير دون غيره من المحرمات من أصل حيواني لقوله (فَإِنَّهُ رِجْسٌ)، والرجس كلمة جامعة تعني أنه قدر ودنس ونجس. فهو بذلك محرم لذاته ونوعه لعلة مطلقة دائمة فيه وليس لعرض مؤقت كشأن الأنعام إذا كانت ميتة أو ذبحت لغير الله أو ذبحت على النصب أو أكلت العذرة فأصبحت جلالة.

 

وقد اتفق علماء الأمة على تحريم الخنزير بشحمه ولحمه وجميع أجزائه، وإنما خص الله اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع يتعلق به  (الإمام الفخر الرازي في تفسيره زاد المسير في علم التفسير).

 

يعتبر الخنزير من الحيوانات ذوات المعدة الواحدة  (Monogastric) وهو أيضا قارت التغذية، بمعنى كلي في التغذية .(omnivore) وهذا النوع من الحيوانات لا يجتر، وبالتالي فطبيعة تغذيته تكون غالبا متنوعة، ومختلفة، وغير معروفة. والخنزير على الخصوص، يتغذى على كل ما هو عفن، ويأكل كل ما يصادفه من القاذورات، وما إلى ذلك، من المواد المحملة بالجراثيم والسمينات. ويتغذى على ما هو قدر ووسخ  ونجس، ومع ذلك فهو يحظى بإقبال بالغ رغم تلوثه وقذارته، ورغم الأمراض التي يتسبب فيها. وقد فصل كثير من علماء الأمة الأمراض والأضرار التي يتسبب فيها استهلاك لحم الخنزير، وقد أصبح ضرره جليا حتى عند العلماء الغير المسلمين. 

 

وينفرد الخنزير بتغذيته القارتة، أو الرمامة القذرة، وهي طريقة لا نجدها عند أي حيوان آخر، بما في ذلك الوحوش، ومن ضمن الحيوانات التي يقتات عليها الإنسان، نجد أن الأنعام حيوانات عاشبة، وكذلك المجثرات الصغيرة كالأرانب والقنية وما إلى ذلك، والدجاج، والأسماك، وكل هذه الحيوانات تختلف في تغذيتها عن الخنزير، الذي يجمع بين القاذورات والنفايات العفنة، والملوثة والإيذايات، ليجمع في لحمه بين السموم الكيماوية، والجراثيم المضرة. فالمقارنة مع اللحوم الأخرى فإن لحم الخنزير يختلف طبيعة وتركيبا عن باقي اللحوم. فالتركيب التشكلي للحم الخنزير أنه يحتوي على كمية كبيرة من الدهون على شكل دهون داخلية، وهو اندحال يجعل الدهن يكون داخل الخلايا العضلية علاوة على الدهون الخارجية على شكل شحوم، وهذا التكون يختلف عن التكون في لحوم الأنعام التي توجد فيها الدهون على شكل منفصل عن العضلات، أو ما نسميه في علم التغذية بالدهون الخارجية، ولو أنها دهون مشبعة فهي سهلة الإزالة والتفادي. والمعروف أيضا عن هذه الحيوانات أي آكلات الأعشاب أن دهونها تستحلب داخل جسم الإنسان، حيث تختلط بالصفراء المنحدرة من المرارة، فيكون الاستحلاب في الأمعاء، ويتم الامتصاص والتحويل عبر حلقة β لأكسدة الدهون   (βoxydation of lipids). أما دهون الخنزير فلا تستحلب بسهولة، من حيث تمر دون تحول إلى الدم وتترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية أو خنزيرية وفي هذه الحالة فإن استهلاك مثل هذه الأنواع من اللحوم، يرتبط ارتباطا مباشرا مع ارتفاع الضغط والإصابة بأمراض القلب والشرايين..

 

كما يوجد الكوليسترول في شحم الخنزير على شكل جزيئات خفيفة أوLDL وهو النوع الخطير الذي يسبب ارتفاع الضغط، وطبعا من تم يحدث تصلب في الشرايين وظهور أعراض عديدة لا تنحصر في أمراض القلب والشرايين فحسب، وإنما في فايزيولوجية الجسم كله ومنها التعرض للسرطان. وتمتاز بروتينات الخنزير باحتوائها على حمضيات أمينية مكبرتة تؤثر على الأنسجة الضامة للماء على الشكل الاسفنجي، وهو ما يجعلها تكتسي شكلا كيسيا واسعا من حيث يصبح مشجعا على تراكم المواد المخاطية في الأوتار والغضاريف بين العظام والفقرات.

 

ولعل ما يجعل لحم الخنزير في شك من الناحية الغذائية هو اختلاف فايزيولوجية حمض اليوريك، الذي يرتفع في لحم الخنزير، لأن عملية التنقية لا تتم كما تتم بها في اللحوم أخرى  كلحوم الأنعام. وينتقل حمض اليوريك إلى جسم الإنسان الذي يتغذى على لحوم الخنزير. ويعتبر حمض اليوريك من المركبات الاستقلابية السامة المسببة لعديد من الأمراض من بينها داء النقرس والفشل الكلوي.

 

ولكون الخنزير حيوان قارت، رمام التغذية، فإن اللحم يتأثر مباشرة بما يأكله. ونعلم جميعا أن الخنزير، يتميز بأكل القاذورات والعفونات، وكل ما هو وسخ، لتترشح كل السموم التي تأتي من القاذورات في اللحم والشحم. وقد سجلت عدة وفايات بفرنسا سنة 1935، كان السبب فيها تناول لحم الخنزير المصاب بطفيلي الخنزير، أو الدودة الحلزونية .(Trichinosis) إن يرقات هذا الطفيلي الخطير، تستعمر عضلات الخنزير، وعند تناول لحم هذا الحيوان، يصاب الإنسان بهذا المرض الخطير. وربما يقول قائل أن الجراثيم المضرة والطفيليات، التي توجد في لحم الخنزير، قد نجد لها حلا بتعقيمها، لكن هناك بعض المواد الكيماوية التي لا تتأثر بالحرارة، وأخرى تدخل في التركيب الكيماوي كتركيب الشحوم. وقد بينت التجارب العلمية، بأن لحم الخنزير، تأثير بالغ على عقل الإنسان. وهناك بعض التجارب التي تجرى حاليا على الحيوانات لمتابعة سلوكها والخروج بالنتائج العلمية التي تتبث ذلك.

 

وبينت بعض الأبحاث الأخرى، أن أكل لحم الخنزير له تأثير بالغ على نفسية الشخص، وقد أجريت بعض التجارب في هذا الصدد. فلقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أثر الطعام على خلق آكليه فقال :" والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم " رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ويقول ابن خلدون : " أكلت الأعراب لحم الإبل  فاكتسبوا الغلظة وأكل الأتراك لحم الفرس فاكتسبوا الشراسة وأكل الإفرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة ". ويقول الفخر الرازي : " قال أهل العلم ـ الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي فلابد أن يحصل له أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله لئلا يتكيف بتلك الكيفية".

وإن أكل لحم الخنزير لابد وأن يؤثر على شخصية الإنسان وسلوكه العام والذي يتجلى واضحاً في كثير من المجتمعات الغربية حيث يكثر اللواط والسحاق والزنى وما نراه متفشياً من نتاج تلك التصرفات من ارتفاع نسبة الحمل غير الشرعية والإجهاض وغيرها.

 

 .4الفئة الرابعة

وقبل الخوض في المعطيات العلمية حول هذه الفئة، نرجع للتدبر في هذه الآية الكريمة. وإذا قرأنا بإمعان نجد أن هناك أوصاف ظاهرة سهلة المنال، مثل الميتة والدم ولحم الخنزير والمنخنقة والمتردية والموقودة والنطيحة، وهي الحيوانات التي تشتمل على خطر عضوي يتعلق بطبيعتها المتعفنة والمتحللة والحاملة للأخطار الصحية، وهي أشياء ربما تفهم بسهولة حسب الطرح العلمي، لكن هناك أشياء يصعب تبريرها من الناحية العلمية المحضة، وهي ما أهل لغير الله به وما ذبح على النصب. ومما يزيد في الأمر تعقيدا هو مجيء هاتين الحالتين منفصلتين وموزعتين على الفئات الأخرى، من حيث جاء ذكر الميتة والدم ولحم الخنزير مع ما أهل لغير الله به وجاء ذكر الخنزير والمنخنقة والمتردية والموقودة والنطيحة مع ما أكل السبع، وجاء ذكر ما ذبح على النصب مع الاستقسام بالأزلام. فالإهلال والذبح على النصب لا يمكن أن يفسر بنفس العلة أو الطرح العلمي، لعدم وجود الدليل العلمي، لأنه يتعلق بالشرك وعدم ذكر اسم الله على الذبيحة، أو جعلها لغير الله تعالى. لكن من خلال الطرح العلمي سنرى أن الترتيب يخص دائما الخطر العضوي الذي لا يكون متساويا في كل هذه الحيوانات، فهي شرعا لا يجوز أكلها، وهو الأمر الذي لا نقاش فيه لأنها معرفة في آية التحريم باللفظ، لكنها ل