الحليب أول ما يتغذى عليه الإنسان بعد الولادة ولدى فهو كافي للجسم
لكن حليب الأبقار الطبيعية التي ترعى في المرعى وليس حليب السوماتوتروبين
Milk is a starter food for man after the birth
بسم الله الرحمان الرحيم
مقدمة
لا أحد يجهل أهمية الحليب كمادة غذائية، فالحليب أول طعام يدخل الجسم بعد الولادة. ويبقى الرضيع على الحليب لمدة تتعدى النصف سنة وقد يبقى أكثر من ذلك إذا كانت الأم قادرة على توفير الكمية للطفل، لكن احتياجات الجسم إلى المغذيات تزداد كلما تقدم السن وأخذ الطفل في النمو السريع. ولذلك نلجأ إلى سد حاجيات الجسم من هذه الاقتياتيات بتناول مواد أخرى مع الحليب بالنسبة للرضيع. والحليب ولو أن هناك أبحاث شاسعة وكبيرة ولا يمكن تفحصها، فإن هناك كذلك نقصان وفي بعض المعطيات والتي سنناقشها في هذا البحث. ومرة أخرى نرى أن القرآن يتكلم بعلم وبتدقيق بينما العلوم لا تزال مدبدبة إن لم تكن أفسدت هذه المادة. والحليب هو المادة الغذائية الوحيدة التي تحتوي على كل المكونات المغذية للجسم، وتعتبر طعاما متكامل التركيبة. والحليب لا يقتصر على البقر كما نلاحظ بالنسبة للإنتاج وإنما يعني الأنعام الأربعة، وبذلك يكون التكامل الغذائي الطبي. والقرآن هو الكتاب الوحيد الذي لا يفرق بين الأنواع الأربعة من الأنعام. ولا نجد حليب البقر كما نقرأ ذلك في كل كتب التغذية والصناعات الغذائية.
وقد جاء تصنيف الأشربة في سورة النحل ذكر الماء، وهو أول شراب وأهم شيء بالنسبة للأحياء، ولا حياة بدون ماء، يأتي ذكر الشراب الثاني في سورة النحل لقوله جل وعلا: "وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)" سورة النحل.
ويدل هذا التسلسل والتصنيف للأشربة على أهمية بالغة في علم التغذية والطب الغذائي لما سنبينه من خلال البحت العلمي في الميدان الغذائي. نرى أن نفس التسلسل للأشربة الأربعة جاء كذلك في سورة محمد حيث يقول سبحانه "مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى (15)" والوصف في هذه الآية بالخصائص الحسية يدل على الجودة من الناحية الحسية. وجاء وصف الماء بغير آسن معنى عذبا غير معكر ولا ملون ولا مالح ولا فيه تلوث عضوي ولا أي شيء آخر. وتعكس كلمة آسن كل الخصائص المتعلقة بالقياسات للجودة العالية للمياه الشروبة. والماء إذا كان نقيا طاهرا غير ملوث لا يأسن لأن التحولات الكيماوية والأحيائية تأتي من تحمل الماء بالملوثات. ووصفه سبحانه اللبن بتغيير الطعم هو ما يدل على بقائه بخصائصه الحيوية والكيماوية الأصلية وطبعا فتغير الطعم يدل على تحول اللبن لأنه وسط غير تابت، ويعني هذا التحليل أن الحليب الطري أو اللبن الطازج هو أعلى جودة من جميع المشتقات اللبنية ولو أن بعض الطروحات العلمية تحاول أن تبين أن بعض المنتوجات على أنها ذات قيمة غذائية أعلى من الحليب.
ويبدأ الجليل جل جلاله التعبير بالعبرة ليجعل الوقع في النفس أكبر وليس الخطاب هنا كما جاء بالنسبة للحم في نفس السورة والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون فهنا يريد الله سبحانه أن يبين بطريقة إيمانية وعلمية للناس كيف تخلق هذه المادة التي لا يقدر على صناعتها بشر. ولننظر إلى الوصف الإلهي الذي جاء في سورة النحل: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ.(66)
والتعبير في سورة النحل جاء بالمذكر، مما في "بطونه"، والأنعام اسم مؤنث، وقد بحثنا عن هذا الإعجاز البلاغي، فلم نعثر على تفسير يقربنا من الحقيقة القرآنية، وقد تضاربت التوضيحات والتفسيرات، وكلها لا دليل لها إلا اللغة، ونحن نريد أن تتوصل العلوم إلى شيء يتعلق بهذا التذكير لتكون الحكمة منه أكبر مما يتصور المفسرون ليظهر التعبير بتذكير الضمير جليا، وإلا فليس هناك تفسير ولو حاول أصحاب اللغة عبتا أن يفسروا هذا التذكير في غير محله من الناحية العلمية نحن على يقين أن هناك حكمة من مجيء الضمير على تلك الحال، ولم نتفق مع ما وجدناه أن العرب تذكر وتؤنث بعض التعابير، لأن الله جعل الضمير يعود على المؤنث في سورة المؤمنون، وجعله يعود على المذكر في سورة النحل، وفي سورة النحل وصف علمي للكثير من المواد الغذائية التي خلق الله للبشر، فهذه السورة تعتبر موسوعة علمية ربانية للعلماء. والضمير العائد على المذكر يدل على حقيقة نجهلها، رغم كل التفسيرات التي جاءت في كتب التفسير. وقد نفهم ذلك في المستقبل مع التقدم العلمي، لأننا لم نجد تفسيرا لمجيء الضمير مذكرا.
فهذا السائل الذي يخرج من ضرع الأنعام، والذي يسقيه الله الإنسان، يخرج من بين فرث ودم، كيف؟ تأتي عناصر اللبن من المواد التي تتغذى عليها الحيوانات، ولا نشرب أي لبن دون لبن الأنعام، ونعلم جيدا أن الأنعام من الحيوانات العاشبة والمجترة، وهذه الحيوانات لا تتناول القذارة، ولا تتناول شيئا فيه رائحة كريهة، أو نبات رائحته كريهة وإنما تقتات على الأعشاب والكلأ النقي، ولها معدة تتكون من خمسة جيوب، لتحول المواد الصعبة الهضم كالألياف الخشبية، إلى جزيئات بسيطة كما سنرى بالتدقيق.
تتكون المواد العضوية التي تتغذى عليها الحيوانات، من بروتينات وسكريات ودهون، وبعض الفيتامينات والمواد العضوية الأخرى. وأثناء الهضم تهدم هذه المواد عبر الحل المائي بالأنزيمات، لتتحول المواد المركبة إلى جزيئات بسيطة، منها الأحماض الأمينية، والأحماض الدهنية والسكريات البسيطة، كسكر العنب، وحيث تمتص هذه المواد البسيطة في الخملة المعوية تمر إلى الدم، وتنقل إلى غدد الضرع، وجميع الخلايا الأخرى في جسم الحيوان، فتأخذ الخلايا ما يكفيها لسد حاجياتها، ثم تأخذ غدد الضرع المواد البسيطة لتمثل أو تركب مواد الحليب.
يتم تركيب بروتينات اللبن من الأحماض الأمينية، التي أتت من هدم بروتينات المواد، التي تغذت عليها الحيوانات من أعشاب وكلأ وعلف. ويتم تركيب الدهن (الزبدة) من الأحماض الدهنية، التي أتت كذلك من هدم دهنيات المواد التي سبق ذكرها، ويتم تمثيل سكر اللبن أو اللكتوز من السكريات البسيطة، التي أتت من العمليات السابقة. ولا يوجد سكر الحليب إلا في الحليب، ولا يوجد في الطبيعة لأنه من اختصاص خلايا الضرع، ولو يوجد في بعض المواد يكون بنسب قليلة. ولا يقتصر تركيب اللبن على هذه المواد، وإنما هناك أشياء أخرى كثيرة ومعقدة التركيب، منها ما توصلت إليه العلوم، ومنها ما يزال في عالم الغيبيات، رغم أن علم الألبان يقول أن كل شيء في الحليب ثم ضبطه ومعرفته. ولو تمكنا من معرفة هذه المركبات، فلا يمكن للإنسان أن يحضر حليبا، ولو تكون لديه هذه المركبات، بل توصل الإنسان إلى معرفة المكونات، التي بإمكانه أن يعرفها بالمعدات التي يتوفر عليها حاليا، لكن هناك بعض المواد التي لا يمكن لهذه المعدات أن تعرفها، وقد تكون هذه المواد أو المركبات بنسب ضئيلة لكن فعاليتها قوية.
ويعتبر الحليب من الناحية الكيماوية كمحلول (بروتينات وأملاح ومركبات دائبة) ومستحلب (دهنيات)، وكل هذه المحاليل تجعل من الحليب مادة متجانسة ومتكاملة التركيب بالنسبة للتغذية ويقول صلى الله عليه وسلم : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَارْزُقْنَا خَيْرًا مِنْهُ وَمَنْ سَقَاهُ اللَّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ (سنن ابن ماجة، 3313)
ولا نقتصر على التمثيل فحسب بالنسبة للحليب، وإنما هناك أمور أخرى في أتم التدقيق بالنسبة لهذه المادة، التي يقول الله في شأنها "وإن لكم في الأنعام لعبرة" فهذه العبرة تتجلى كما رأينا في طبيعة المواد الكيماوية التي يحتوي عليها الحليب، وكذلك في الكمية التي توجد بها هذه المواد. فإذا نظرنا إلى البروتينات نجد أن التركيز لا يتعدى والدهنيات لا تتعدى ؟ وسكر الحليب لا يتعدى ؟ والفيتامينات والسيترات .
وهذا الحليب يكون خالصا سائغا، لأن الحليب يبقى دائما دون تغيير كبير يذكر، من حيث التركيب الكيماوي، وتضل عناصر الحليب ثابتة تقريبا في كل أطراف المعمور، وقد سبق أن تكلمنا عن الكيفية التي 1تتغذى بها الأنعام من حيت الطهارة، ولو أن بعض السلالات من البقر أصبحت تأكل كل ما يصادفها. ويخرج الحليب من الضرع صافيا خالصا ليس في أثر الملوثات، وليس فيه أثر القاذورات، وليس فيه ميكروبات من غدد الحيوان السليم، وليس فيه مواد أجنبية، وهكذا يكون برائحة مميزة ليست متأثرة برائحة الدم أو الفرث. ويكون سائغا للشاربين لأن تركيبه متكامل ومتجانس ومتوازن، وقلما يشرق الرضيع في ثدي أمه.
ولم تتوصل العلوم إلى هذه الحقيقة، إلا في العصر الحديث، وقد جاء بها القرآن قبل عصور مضت، ونزلت في وقت لم يكن الناس ليعرفوا ولا ليتصوروا هذه الأشياء. ونريد أن نذكر هنا بالتعريف الذي أعطته منظمة الحليب الدولية، وهو تعريف معترف به دوليا ومتداول ومقنن. يقول هذا التعريف: الحليب هو كل مادة سائلة، يحصل عليها بالحلب المتواصل الغير المنقطع والتام، لأنثى سليمة وغير مرهقة. ولا يتطرق التعريف إلى فيزيولوجيا الحيوان إلا سطحيا، بذكر سليمة وغير مرهقة، أما القرآن فيعرف الحليب، بأنه السائل الخالص السائغ الذي يخرج من بين فرت ودم، والذي يخص الأنعام، يعني نفس الخصائص الغذائية بالنسبة لحليب الضأن والإبل والبقر والغنم. فمنظمة الحليب الدولية تركز على الحلب وصحة الحيوان، والقرآن يركز على الجودة بذكر الخالص، أي ليس فيه مواد أجنبية مضرة، وليس فيه شوائب للمذاق والنكهة، والسائغ يعني أنه سهل التناول وليس فيه ما يجعل المتناول يرفضه. وينص التعريف القرآني على الأنواع الأخرى دون البقر، وهو أهم من ميكانيكية الحلب بكثير، لأن حليب الإبل وحليب الغنم والضأن، يكون كذلك بمميزات صحية وغذائية عالية.
وعلاوة على الخصائص الغذائية، التي يجمع علماء الميدان على أنها خصائص عالية، وأن الحليب مادة غذائية متكاملة من حيث التركيب، ومن حيث الاحتياجات الجسمية، فإن هناك خصائص أخرى تخص كذلك التمتع بهذه المادة، فهو سائل منعش إذ يشرب باردا وسائل لذيذ فيخص الله هذا السقاء وهو وصف يخص الجودة الحسية كذلك.
جدول رقم 1: معدل نسبة الفيتامينات التي يحتوي عليها حليب الإنسان، الماعز والبقر
البقر
الماعز
الإنسان
الفيتامينات
mg/liter
1560.0 (1380)
2074.0 (1850)
1898.0 (2410)
فيتامين أ Units/liter
33
23.7
22.0
فيتامين د
0.44 ( .38)
0.40 ( .48)
0.16 (0.14)
تيامين
1.75 (1.61)
1.84 (1.38)
0.36 ( .36)
ريبوفلافين
0.94 ( .84)
1.87 (2.7)
1.47 (1.77)
حمض النيكوتين
0.64 ( .42)
0.07 ( .46)
0.10 ( .11)
فيتامين ب 6
3.46 (3.13)
3.44 (3.1)
1.84 (2.23)
بانتوتين
0.031
0.039
0.008
بيوتين
0.0028 ( 0.005)
0.0024 (0.001)
0.0020 (0.005)
حمض الفوليك
0.0043 (.0036)
0.0006 (.00065)
0.0003 (,.00045)
فيتامين ب 12
21.1 (14.7)
15.0(13,0)
43.0 (50)
حمض الأسكوربيك
121.0
150.0
90.0
كولين
110.0
210.0
330.0
إينوزيتول
جدول رقم 2: تركيبية الدم الكيميائية
الماء
كالسيوم
صديوم
كلورايد
فوسفور
بوتاسيوم
82.3 gm/100ml
80.4
81.511.4 mg/100ml
10.3
10.6156 mEq/L
138.8±2
132-152116 mEq/L
97±3.2
1146.5 mEq/L
7.5
5.6-6.55.3 mEq/L
3.9±0.9
4.8الخروف
الماعز البقر
مانيوزيوم
كلورسترول
كليكوز
بروتينات
الألبيمين
الكلوبيلين
2.8 mg/100ml
3.0
2.0240 mg/100ml
170
12540 mg/100ml
64.6±8.5
857.0 gm/100ml
6.7±0.5
8.33.8 gm/100ml
3.6±0.15
3.43.2 gm/100ml
3.0±0.35
2.8الخروف
الماعز البقر
المراجع
1) القرآن الكريم
2) سنن ابن ماجة
3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي