يقول تعالى
في سورة آل عمران: إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. ويقول كذلك في نفس السورة: ومن يبتغي
غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. ولا تحتاج قطعية
الدين الإسلامي كديانة أخيرة ومتكاملة للبشر كافة إلى برهان بعد الكتاب. ولا
يختلف الإسلام
عن
الديانات السابقة فيما يخص التوحيد كما جاء في سورة
الأنبياء لقوله تعالى
وما أرسلنا من قبلك من رسول
إلا
نوحي
إليه
أنه لا اله إلا أنا فاعبدون, لكن القرآن جاء بما لم تأتي به الديانات السابقة
ذلك أن القرآن دين العلم
دين الحجة والبرهان.
وأول ما نزل من الوحي يأمر بالعلم لقوله تعالى اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان
من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان
ما لم يعلم.
ويقول عز و
جل في سورة الإسراء: وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا.
ويقول عز وجل عن أمة الإسلام: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. وقال كذلك في نفس السورة: ولتكن منكم أمة
يدعون
إلى
الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. وهذا هو الفرق
بين أمة الإسلام
والأمم السابقة ذلك أن الرسل كانت تبعث
في أقوامها
كما جاء في سورة
هود:
وإلى عاد
أخاهم
هودا....
وإلى تمود
أخاهم
صالحا.... وإلى
مدين أخاهم
شعيبا.. وقوم لوط وقوم نوح وأصحاب الحجر وما إلى ذلك من الأقوام،
أما
الرسول صلى الله عليه وسلم فبعث للناس كافة
لقوله تعالى:
وما
أرسلناك إلا كافة للناس،
وقوله تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وقوله تعالى وما أرسلناك إلا
رحمة للعالمين. والقرآن وحي عالمي لا يقبل التخصيص والاقتصار على قوم أو فئة
أو جماعة أو لون أو جنس أو جهة كما جاء في سورة الفرقان لقوله تعالى: تبارك
الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا.
ولذلك
فالإسلام على خلاف الديانات الأخرى لا يتقيد بأشخاص ولو وصلوا إلى قمة العلم،
بمعنى ليس هناك رهبانية في الإسلام كما هي في المسيحية واليهودية، ليس لنا
رجال دين في الإسلام بل كل الأمة ترجع إلى الكتاب والسنة، التي من المفروض أن
تكون عالمة بأصول الدين على الأقل، لأنه لا يعقل أن تكون أمة العلم جاهلة،
والدين لا يخضع لنظام الحكم ولا يعزل عن الحكم، إذ من الصعب أن نتصور نظاما
سياسيا ما في لد مسلم خرجا عن الإسلام، كأن يكون البلد إسلامي وفيه نظام حكم
اشتراكي، فربما قاس بعض المفكرين على المسيحية، لأن شعوبها عزلوا الدين عن
الحكم، لكن الإسلام ليس ديانة بالمعنى الذي تفهم به المسيحية، أي يمارس داخل
المعابد، وإنما يمارس في الحياة العامة للناس، وكثير من الجهلاء، ولا أقول
العلمانيون، يستعملون خطابا خاطئا، وربما هم أنفسهم لا يعلمون عما يتكلمون،
فيلجأون إلى أسئلة واهية ووهمية، وغالبا ما تكون حول البرنامج الاقتصادي
والتسيير والتحديث وما إلى ذلك، ويسلمون أن الإسلام لا يحمل برنامجا
اقتصاديا، ويحاجون دائما المسلمين، ولا أقول الإسلاميين، بالبرنامج
الاقتصادي، وكأن الغرب يعلم أكثر من الله، فهؤلاء درسوا بعض الأفكار في
العالم الغربي، وتشبعوا بها جيدا، ولم يقرءوا ما جاء القرآن، وليس لديهم أدنى
فكرة على البرنامج الإسلامي، وفاقد الشيء لا يعطيه، فهؤلاء لا يعلمون شيئا عن
الإسلام، لكنهم يناقشون أفكارهم بالمقارنة مع الإسلام، وهو أمر غريب جدا
فالذي درس في الكلية ولم يسبق له أن فتح المصحف، أو درس تاريخ الإسلام الذي
يمتد على أربعة عشر قرنا وثلث، ولم يسبق له أن درس حالات اقتصادية ناجحة عبر
هذا التاريخ، بل ربما لا يعرف كيف يتوضأ، فهذا النمودج لا يمكن أن يفهم، وأن
يأخذ بما جاء به الإسلام، لأنه كالذي يغلق عليه الباب في بيت مظلم، ولا ينظر
إلا من كوة المفتاح ليرى دائما نفس الشيء، فبالنسبة له لا وجود إلا لما درسه،
ويصبح مدافعا عن النظرية التي تشربها وتشبع بها، لأنه لا يعلم شيئا خارجها.
والقضية
باتت قضية وقت فقط، فالحل لن يكون عبر النظريات الاشتراكية والحداثية
والعلمانية وووو.... وإنما سيكون عبر الإسلام فقط، وإلا فلن تخرج البشرية من
مأزقها الاقتصادي، الذي بلغ في البلدان الغربية إلى القروض الأبدية بمعنى
طيلة الحياة بل حتى الدفن مقترض.
فالذين
يحاجون الإسلام بنظريات خاطئة وقاتلة على أساس أنها راقية، وأن الإسلام ليس
لديه برنامج اقتصادي يبررون جهلهم بأنفسهم، ويعبرون عن نفاقهم، لأنهم يعلمون
أن كل النظريات الاقتصادية الحالية خاطئة، ولن يكون هناك حل للمشاكل
الاقتصادية التي أصبحت الآن تحدد كل الأنظمة السياسية، إلا في النظام
الاقتصادي الإسلامي، والذين يتكلمون عن البرامج الاقتصادية الجارية، لا
يعلمون بصيصا عن الاقتصاد ولا عن التدبير وفاقد الشيء لا يعطيه.
ونلاحظ أن
المنتظم الفكري الآن أصبح يرى من خلال الصحافة، وقد ظهر جليا أن القنوات
القومية العلمانية والموالية للعلمانية والقومية تحاول أن ترسخ للشعوب أن
المسلمين غير قادرين على التسيير وعلى التدبير، وأن كل الدول الإسلامية ضعيفة
وجاهلة ومتخلفة، وهو طرح الصحافة الغربية لكن الصحافة الشرقية القومية أو
الموالية لهؤلاء تأخذ بنفس الطرح، وفي المقابل نرى أن المفكرين المسلمين
متيقنين أن الدول الإسلامية دول قوية، ولديها إمكانيات هائلة، ولديها القدرة
على التسيير والتدبير، وهذا المثل يعود بنا إلى أن الإسلام لا يتقيد بأشخاص
وإنما بالقرآن والسنة، والقول بأن الشعوب الإسلامية شعوب متخلفة لا يعني أن
الإسلام ديانة متخلفة، أو أن السبب في هذا التخلف هو الإسلام، وهو ما تحاول
القومية العالمية أن ترسخه لدى الشعوب.
العلم طريق
الإيمان
إذا كان
الله قد هيأ لنا هذا الكون بكل ما فيه من وسائل العيش،
وسخر لنا البر والبحر والرياح وكل شيء حتى الهواء للتنفس،
فإنه ميزنا على المخلوقات الأخرى بالعقل والعلم وعلمنا كما جاء في القرآن
(ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم). ولم يتركنا على الهوى كما هو الشأن
بالنسبة للمخلوقات الأخرى،
بل أنزل أحكاما من السماء لتنظيم حياة البشر ولتمييزه عن الخلائق الأخرى.
وأمرنا بأشياء ليميز الصالح من المفسد من عباده،
وليعلم المؤمنين وليبلوهم
كذلك
أيهم أحسن عملا. وليست هذه الأوامر الإلهية إلا العبادة الصحيحة الصادقة.
وشرع لنا كذلك في هذه العبادة أن نقف عند حدود جعلها الله لحفظ الإنسان من
نزواته وشهواته و ميوله إلى الفساد. وكل هذه الأحكام المنزلة من السماء تشترط
الإيمان بالله.
ويجب أن
نتكلم ولو بإيجاز عن المميزات والنعم والخصال التي ميز الله بها بني آدم عن
المخلوقات الأخرى،
ومن بينها تسخير الكون كله بكواكبه وشمسه وقمره ورياحه ومائه ودوابه وأنعامه،
وجعل من دون ذلك شيئا خاصا أتاه الإنسان
وهو العلم. وموضوع العلم ربما يكون طويلا لكن نختار منه بعض النقط. والعلم
بدأ مع الإنسان منذ خلقه لقوله تعالى
في سورة
البقرة:
وعلم آدم
الأسماء كلها.
ويبقى هذا
العلم
جاريا على مدى الزمان،
ويطبق على كل المستويات من أسماء الأشياء إلى الاختراعات والاكتشافات
الحديثة. وهناك آيات عديدة تنص على العلم منها أول ما نزل من القرآن
في سورة العلق:
إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم
علم الانسان ما لم يعلم. وقوله تعالى
في سورة طه:
ولا تعجل
بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه و قل رب زدني علما. وينبهنا كذلك عن الخوض
والادعاء بالعلم والإصابة بالغرور كما هو الشأن لبعض العلماء الجاهلين بأمر
الدين بقوله تعالى
في سورة الإسراء:
يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
وقوله تعالى
في سورة الإسراء:
ولا تقف ما ليس لك به علم. وكلما ازداد الشخص علما كلما أدرك حقيقة الخلق
ووجود الخالق ويخبرنا القرآن كذلك عن هذه الحقيقة بقوله تعالى:
إنما يخشى الله من عباده العلماء. و قوله تعالى
في سورة الإسراء:
إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون
للأذقان
سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. و يأمرنا الله عز وجل أن
نتدبر القرآن لنعرف بأنفسنا هل هو من عند الله أم عند غير الله بقوله تعالى:
أفلا يدبرون هذا القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
ويعلمنا القرآن أن الإسلام جاء لجميع العصور ويبقى صالحا إلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها،
بل وينبأ عباده بفهم أشياء بعدما ينضج العقل البشري وتتقدم الأبحاث العلمية
بقوله سبحانه:
ولتعلمن نبأه بعد حين.
وقوله تعالى: سيريكم آياته في الآفاق فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون.
ويفضل جل وعلا
كل
من يرقى بعلمه على الجاهل
بقوله
سبحانه:
هل يستوي
الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
وتنطبق الآية على العلوم الحقة كما تنطبق على العلوم الشرعية.
ومن خلال
ما أسلفنا يجب أن نعلم أن الاسلام دين العلم،
وأن الله خلق الكون بعلم،
والانسان بعلم،
وأنه تعالى يعبد بعلم،
ولذا كان هذا العلم السبب في إيمان العديد من العلماء. ومن جملة ما جاءت به
العلوم الحقة الحديثة خصوصا في ميدان علم التغذية
يجعل الكثير من العلماء يتساءلون عن تنظيم وآداب الطعام في الإسلام والحكمة
من ذلك. ويتلخص تنظيم التغذية
في عدم تناول الأطعمة المحرمة،
وعدم الإسراف في الأكل،
مع الصيام وأكل الطيب من الرزق. إن الله ينهى عن الإسراف والإقتار في الأكل،
ويأمر باجتناب المحرمات وبأكل الطيبات،
وجعل طواعية الإمساك عن الأكل عبادة،
وفرق فيها الفرض والسنة فجعلنا نصوم شهر رمضان كل سنة،
وهو أعلم بنا من أنفسنا وأعلم بما فيه من التربية الروحية والبدنية،
حيث يتعلم الإنسان
ويتدرب على التحمل،
ويكسب القدرة على ضبط النفس وهناك ما هو أكثر نفعا من المزايا الروحية إذا ما
تناولنا الجانب الصحي للصيام والذي سنتكلم بشأنه.
قبل الحديث
عن الصيام كعبادة والدليل العلمي على مزايا الصيام الصحية والروحية
والسيكلوجية،
فإن هناك ما يستحق الذكر فيما يخص الأكل كعبادة. فقد بدأ الله عز وجل شرعه
للإنسان
بالأكل حيث كان أول قانون بينه الله لآدم عليه السلام هو النهي عن الأكل من
شجرة واحدة في الجنة وأباح له ما دون ذلك كما جاء في قوله عز وجل في سورة البقرة
{وقلنا ياآدام اسكن أنت
وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من
الظالمين}. ونستخلص من الآية الكريمة ما يلي:
* كان لابد
من الضابط الشرعي ليمتحن الله به عباده،
والامتحان يعني النجاح أو الرسوب،
وهذا الضابط الشرعي الإلهي
لم يتعد بالنسبة لآدم عليه السلام النهي عن الأكل من الشجرة. وتظل هذه
العبادة قائمة بالنسبة للنهي،
وهنا نرى أن الله حرم أشياء تحريما قطعيا بالنسبة للأكل وحرم أشياء تحريما
مؤقتا.
أما
التحريم القطعي فيخص المأكولات التي قصها الله في سورة المائدة: يا أيها
الذين آمنوا أوفوا بالعقود، أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير
محلى الصيد وانتم حرم إن الله يحكم ما يريد. إن الاستتناء الذي جاء في هذه
الآية (إلا ما يتلى عليكم) يخص الذي فصله الله عز وجل في الآية الثالثة من
نفس السورة: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به
والمنخنقة والموقودة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح
على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم
فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإتم فإن الله غفور رحيم.
وما يحرم
كذلك من المشروبات يقتصر على الخمر الذي جاء تحريمه في سورة المائدة
لقوله تعالى:
إنما الخمر
والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما
يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء
في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة
فهل أنتم
منتهون.
وأما
التحريم المؤقت فيعني تحريم الأكل والشرب في رمضان ذلك أن الله شرع الإمساك
عن الأكل والشرب والجماع (شهوتي البطن والجنس) أتناء الصيام.
* لم تكن
العبادة إلا رمزا ولازالت كذلك: يعني أن ما يأمرنا به الله عز وجل ليس إلا
شيئا بسيطا بالنسبة لما يشمل العبادة التي أمرنا الله بها. إن الله نهى آدم
عليه السلام عن شجرة واحدة من بين
العدد
الهائل
لأشجار
الجنة وخيراتها. ومع ذلك فقد خالف شرع الله. ونهانا الله عز وجل عن المأكولات
السالفة الذكر وعن الشراب. وإذا نظرنا إلى المأكولات التي حرم الله علينا
نجدها من نفس الجنس أي من أصل حيواني أو بعبارة أخرى من
ذوات
الروح. وهو أمر هين لأن الله لم يحرم الأنعام والطير والصيد،
وإنما حرم ما لم يذبح
حسب الشرع إلا الخنزير والدم الذان جاء تحريمهما بالقطع في جميع الأحوال.
وتعتبر هذه المحرمات رمزية بالنسبة لما خول لنا وما أكثره. إن أول عبادة
شرعها الله للبشر كانت عن طريق الأكل: وهي النهي عن الأكل من الشجرة. والحكمة
من العبادة بهذا الشكل هو التركيز على الشهوة وهي التي تقود الانسان إلى
اقتراف المعاصي.
وإذا كانت
العبادة عن طريق الأكل تشمل تحريم ما حرم الله فإن هناك نوعين من العبادات:
النوع
الأول ويخص حد التحريم المطلق وهو القانون الإلهي
الذي شرعه الله لعباده والذي يعد قانونا عضويا وموضوعيا.
النوع
الثاني ويخص التحريم لمدة معينة وهي مدة الصيام ويعتبر هذا كقانون معنوي ويخص
سيكولوجية الشخص أكثر ما يخص تصرفه.
العبادة
بالصيام
الصيام قبل
الإسلام
إن عبادة
الصيام ولو أنها كانت معروفة قبل الإسلام،
لم تكن بنفس الشكل الذي تؤدى به بعدما أصبحت أحد أركان الإسلام. وكانت أعراف
الجاهلية تصوم
عاشوراء
والنذر،
كما كانت تعرف كذلك السبت عند اليهود. إلا أن الصيام كعبادة لها وزنها ووقتها
وشكلها التعبدي لم تعرفه البشرية قبل الإسلام. وتبت في حديث النهي عن صيام
الدهر أن أقصى حد يمكن للإنسان أن يتقرب به لله عز وجل هو صيام سيدنا داوود
عليه السلام
وهو صيام يوم وإفطار يوم،
مفهوم
الصيام في الإسلام
ربما كان
هينا على عامة الناس أن يتخذوا من رمضان عبادة جد محدودة،
أو أن يتخذ كعرف ويتحول رمضان إلى طقس بدل أن يكون شهر عبادة تغفر فيه جميع
الذنوب.
إن
صيام شهر رمضان له مفهوم العبادة أولا،
ثم ما يترتب عن هذه العبادة من خير للأمة وللفرد. ولنا عودة مع الأشياء
الثانوية التي يأتي بها الصيام والتي تعتبر من المزايا والخيرات التي خص بها
الله المسلمين لصيامهم هذا الشهر.
الحكمة من
عبادة الصيام
لاشك
أن كل العبادات تجعل الإنسان يقترب من الخالق ويسمو عن جميع الخلائق
إلى
درجة الملائكة فما فوق. ولعبادة الصيام ميزة خاصة تتمثل في الانفراد بها لله
وحده ولم يعبد أحد من الجبابرة عبر تاريخ البشر بهذه العبادة. فلربما تقرب
شخص
لشخص
آخر بالركوع أو السجود أو الثناء
أو المدح أو ماشابه
ذلك مما
يمكن
للبشر
أن يعظم به من طرف البشر الآخر أو ربما تذبح
القرابين،
أو تدفع الهدايا،
لكن أن
يتقرب
بشر
من
بشر بالصيام فلا يمكن
وقد عبد الناس فرعون بالسجود والركوع والقرابين لكن لم يعبده أحذ بالصيام.
ولذلك تعتبر هذه العبادة لله وحده،
وينفرد بها الله كذلك في الأجر والثواب بل حصر حدد أن كل أعمال بني آدم له
إلا الصيام فهو لله تعالى وهو يجزي عنه.
ولا نتكلم
عن مزايا الصيام الروحية والتي تجعل العبد يقترب من ربه، وينسى كل شهواته
ونزواته وهي تنقية وتطهير للنفس وتزكية لها، وليس هناك خير من تزكية النفس.
والصيام يفيد في الجانب السايكولوجي بنفس المستوى الذي يفيد به في الجانب
العضوي ولذلك فالصيام يوصف بالجنة وهي الحجب عن الضرر الروحي والعضوي والحفظ
من كل ما من شانه أن يضر بالنفس والجسم معا. ونلاحظ أن الإنتحارات
والاضطرابات النفسية والعصبية تقل في شهر رمضان، وأن الدواء للأمراض العضوية
ينفع أكثر في شهر رمضان لأن الشخص يكون مطمئنا، ونلاحظ أن الخصومات تقل في
شهر رمضان، وتطيب نفس الصائم ولو أن هناك بعض الشوائب الاجتماعية التي تجعل
الصيام ينقلب إلى عنف وضجر وقلق.
والصيام
ينمي القوة النفسية وقوة الاحتمال والصبر ويعلم الشخص اتخاذ القرار ويعلم حسن
التركيز والتفكير ومقاومة النزوات، ونضرب بعض الأمثلة في هذا الصدد.
المثل
الأول: يصوم كل الناس بسهولة وبعزيمة وبقوة في شهر رمضان بل حتى الأطفال
يتشجعون على الصيام لكن يصعب الصيام في ما عدا رمضان بل يشق الصيام خارج شهر
رمضان، وهذا الاستنتاج يوحي بتكوين روح الجماعة عند البشر وهو ما لا يقدر
عليه أي شيء إلا رمضان أو الصيام، وهذه الروح الجماعية تجعل من الناحية
السايكولوجية كل الصعاب سهلة وتجعل الشخص يتخلص من الخوف والهم والبخل. وليس
من السهل ن تتكون الروح الجماعية عند الناس فالاختلاف وارد ومع ذلك كل الناس
يصومون رمضان والغريب أن هذه الروح الجماعية تشمل كذلك تاركي الصلاة الذين
يصومون رغم أنهم لا يصلون وكثير منه رجع يصلي أثناء شهر رمضان وهو ما يبين
القرب من الله سبحانه وتعالى.
والمثل
الثاني: إذا تكونت الروح الجماعية يسهل القرار ويسهل الاتفاق ويسهل الانضمام،
والإسلام يركز على روح الجماعة وفضل عبادة الجماعة على الفرد، وطبع الإسلام
اجتماعي لأن أنر الأمة لا يستقيم إلا بالحل الاجتماعي. ولذلك كان يسهل على
المسلمين الخروج للجهاد أثناء شهر رمضان، لأن الروح الجماعية تقوي الشخصية،
وهو ما جعل المسلمين ينتصرون في الغزوات التي خاضوها في شهر رمضان، بل تربت
عقدة عند الكفار من رمضان إلى درجة أنهم كانوا يتفادون المسلمين أثناء شهر
رمضان، لأن الخروج للجهاد لما يكون الشخص صائم لها كل المبررات من ناحية
العبادة فهو في عبادة وإذا مات فهو صائم ومن ناحية النصر فهو قريب منه لأنه
عازم و مقبل على ربه، ومن ناحية القوة فالنفس تكون أقوى ما يكون لما يكون
الشخص صائما ولذلك فأمور المسلمين كان عليها أن تكون في شهر رمضان.
وتزكي هذه
الأمثلة ركن النية بالنسبة للصيام المفروض، والنية ليست بالضرورة لفظا كما
أجمع العلماء وإنما كون الشخص يستعد للصيام فهي نية في حد ذاتها، والإسلام
يشترط النية لأنه عامل نفسي يزكي الصيام ويسهله وينظمه، فالنية تعني من
الناحية العلمية التركيز على الشيء وهو ما يجعل الأمر يهون ويسهل، فلننظر
مثلا إلى أبطال القفز العلوي لنرى أهمية التركيز فلما يركز جيدا يمكنه قفز
أكثر من متر ونصف لكنه بدون تركيز لا يقفز أكثر من نصف متر، والتركيز يعيد
برمجة الجسم سيكولوجيا لتأخذ شكلا آخر مغايرا للشكل الطبيعي وتجمع قوة الجسم
لمدة قصيرة كي تتمكن من الوصول إلى الغاية المبرمجة. وكذلك الصيام فالنية
تعني إعادة البرمجة للجسم ليعيش بدون أكل وشرب لمدة طويلة تصل إلى 16 ساعة
وأكثر، ولذلك يسهل الصيام خصوصا لما يضاف إليه عامل الجماعة. والإسلام جاء عن
علم وبعلم ليكون للعبادة أثرها كذلك على حياة المسلم ليحيى حياة طيبة وبجسم
سليم بدون آفات أو أعراض تنقص من تكامله. ولذلك يتحدى الإسلام العلوم ويعجز
العلماء فكل شيء فيه معجز وكل شيء فيه مدقق ليكون المرشد اليومي لحياة البشر.
والغاية من
الصيام علاوة على التعبد والأجر والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى تكون من أجل
تقوية الأمة وتطهيرها وتنقيتها من الشوائب الاجتماعية التي تقوض صرح الأمة.
ونلخص هذه الغاية في ثلاث نقط:
التنظيم
والتدريب السماوي لبناء الشخصية
التحدي
وقوة الإيمان
الانعكاسات
العامة على المجتمع
الأكل
عبادة
إن استمرار
الحياة يتطلب استمرار تزويد الجسم الحي بالغذاء،
وهي
الطاقة التي يعمل بها هذا الجسم. وهناك أسس وقواعد لضبط التغذية
وجعلها نافعة لصحة الإنسان،
وهذه الضوابط تنحصر بين حد الإسراف في الأكل،
وحد الحرمان من الأكل. أما الحد الأول فيجعل جسم الإنسان يأخذ أكثر مما يلزمه
من طاقة،
وأما الحد الثاني فيأخذ فيه الجسم أقل مما يلزمه من طاقة،
و لكلي الحدين أضرار كما سنرى فيما بعد.
ويمكن
القول بوجود صنفين من المستهلكين صنف
يمتع
النفس أو الترف،
و صنف
يحرم
النفس أو الإقتار.
ونرى أن التغذية
الصحيحة يجب أن تكون بين الحدين. أما الأول وهو حد الترف الذي يجعل التغذية
سبيلا إلى الإفراط في الأكل،
بحثا
عن اللذة والمتعة عن طريق الأكل والشرب،
وينهج هذا النهج الجانحين
إلى
المادية
أو الدهريين.
ويجب أن نتوقف عند تنظيم التغذية في الإسلام،
لنستحضر النصوص القرآنية التي تتعارض مع هذا النهج كقوله تعالى (كلوا واشربوا
ولا تسرفوا) ويأتي النهي عن الإسراف بعد ذكر الأكل والشرب وهو عائد عليه. أي
لا تسرفوا بمعنى لا تكثروا في الأكل والشرب. وأكثر من هذا فإن كثرة
ا