بسم الله الرحمان الرحيم
الخمر أم الفساد والكساد
Wine is the source of corruption and lost
مقدمة
إذا كان الجليل جل جلاله، بدأ بالعبرة بالنسبة للبن، فإنه في الآية التي تخص السكر، جعل الوصف علميا محضا، لكي لا يلجأ الناس إلى الاستشهاد بالقرآن على ضرورة تناول الخمر، ولذلك رد سبحانه وتعالى الخمر إلى الإنسان، وجاء التعبير بالمخاطب وهو الإنسان. ولا نجد وصفا يخص المأكولات والمشروبات الحلال لم يسند إلى الله سبحانه وتعالى إلا الخمر فقد أسنده إلى الإنسان، حيث يقول الجليل سبحانه في سورة النحل: "وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ."(67)
وإذا نظرنا إلى الآية الكريمة، نجد أن السكر لا يأتي مباشرة كالأشربة الأخرى، وإنما يأتي بعد تحويل عصير العنب أو التمر، عبر التخمر الكحولي، إلى شراب مسكر بنسبة 12 – 14 درجة كحولية وهي 12 – 14 مل من الكحول الخالص في 100 مل من الخمر، وسنعود إلى المراحل التي يمر منها التخمر فيما بعد، ولذلك قال الله " تتخذون "، يعني أن الإنسان هو الذي يتخذ عبر التصنيع الذي يفضي إلى تخمر عصير التمر والعنب أو تحويله إلى شراب مسكر. لقد بينا أن سورة النحل أو سورة النعم كما يسميها العلماء، يبين فيها الله سبحانه وتعالى الحقيقة العلمية ليعتبر أولوا العلم، وليبين أسباب الأشياء، ويكون الوصف العلمي متكاملا.
ولا يترتب عن هذا الوصف نقض للشرع، لأن معرفة الطريقة التي يصنع بها الخمر لا يترتب عنها نقض تحريمه. وفي هذه الآية نرى أسمى أوجه الإعجاز العلمي، ويجب أن ننتبه إلى الكلمة القرآنية لكي نفهم المعنى العلمي.
تصف الآية الكريمة الثمار التي يصنع منها الخمر، وهي العنب والتمر، وقد كان هذا معروفا ولا يزال كذلك إلى يومنا هذا. ووصف الخمر بالسكر لبيان علتها وضررها، وهو وصف علمي، وليس شرعي، وسنرى أن هذا الوصف العلمي، سيمهد لحضر الخمر علميا، قبل تحريمها شرعا. ولننتبه إلى ما يقول لنا الذي خلق كل شيء فأتقنه في هذه الآية: وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .(67) فالكلمة المفتاحة في الآية هي تتخذون، ويعني أن الله يعلم أن الخمر تأتي من عصير العنب والثمر، لكن الإنسان هو الذي يجعل هذه الثمار تتحول إلى خمر، ليتخذه سكرا، وهذا الفعل منسوب إلى الإنسان. لأنه في آية الحليب يقول سبحانه "نسقيكم"، أي هو الذي أعطانا اللبن ويريدنا أن نشربه، ثم يقول في العسل " شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس"، ليجعلنا ننتفع بهذا الشراب، ولذلك أدخل عامل الشفاء، أما بالنسبة للخمر، فيقول "تتخذون" أي أنتم الذين تتخذون هذا السكر، أما الله فقد رزقنا بالثمار، لأكلها طرية أو لعصرها وشرب عصيرها، لكن اتخاذ السكر، هو من فعل بني البشر.
وليس الانتفاع بالثمار كاتخاذها سكرا، فهنا يأخذنا الموضوع إلى أمور معقدة وعميقة في علم التغذية. لأن الثمار، كما نعلم جيدا، تمثل مصدرا هائلا للفيتامينات والألياف الخشبية والسكريات والأملاح المعدنية، وكل هذه العناصر لها دور غذائي وكذلك وبعض المكونات الأخرى، التي لها دور استشفائي. وهكذا تكون هذه الثمار على مدار السنة، مختلفة الأنواع والتركيب. ولذا نجد البرتقال والثمر في فصل الخريف، لأنه فصل البرد والعمل معا، إذ يستعد الناس لخدمة الأرض وما إلى ذلك، وتكون هذه الثمار محملة بالطاقة ويليها الزيتون، لأن الزيت يعتبر كذلك من أعلى الأغذية طاقة، أما في فصل الصيف فنجد الفواكه الموسمية المنعشة وما أكثرها، من بطيخ أحمر وأخضر وتفاح ومشمش وبرقوق وصبار وما إلى ذلك من الثمار، ويقبل الناس عليها إقبالا شديدا للانتعاش بها.
أما إذا عصرت الثمار وتركت لتتخمر، فإن التركيب الكيماوي يتغير وينقص، فالسكريات التي تكون نافعة في العصير، تتحول إلى كحول، وهي مادة سامة كما نعلم جيدا في ميدان علوم التغذية، وإن كانت طاقتها مرتفعة وسهلة.
جاء موضوع الخمر في القرآن الكريم في أربع آيات، اثنتان منها جاء التعبير فيهما بالسكر، واثنتان جاء فيهما التعبير بالخمر كما سنتطرق إلى ذلك بالتفصيل، وهذه الآية هي أول ما نزل في شأن الخمر وجاء التعبير بالسكر.
وموضوع الخمر يأتي ضمن الأشربة الأربعة، التي صنفها الله في سورة النحل، وهي الماء والحليب والسكر والعسل. والحديث في هذه السورة يقتصر على الوصف العلمي ولا يخص الشرع، فأشار إلى الوصف بالعلة، أو الحالة الفايزيولوجية التي يحدثها الخمر. والحديث هنا عن الكحول بالتدقيق، لأن المادة المسؤولة عن السكر الموجودة في الخمر هي الكحول.
والوصف العلمي للطريقة أو الأسلوب، الذي يتم به إنتاج الخمر، يكون حسب العوامل الكيماوية والأحيائية والتكنولولجية، فكان الوصف مطابقا لأساليب الصناعة الغذائية أو صناعة الخمور
(Oenology)، وهي العوامل التي جاءت في الآية:
العامل الأول:
طبيعة المادة الخامة أو المادة الأولية (Raw Material)، وهذه المادة تقتصر حسب التعريفات الدولية على العنب، من حيث يكون الخمر، هو كل شراب منتوج من عصير العنب عن طريق التخمر، والذي يصل مستوى الكحول فيه إلى 12 أو 14 درجة كحولية. لكن القرآن يعطي مادة خامة أخرى هي التمر، ويمتاز بالتدقيق، الذي يخص تعريف الخمر، فالتعريف الدولي وضعته الدول الغربية، وطبعا هذه الدول لا يوجد فيها نخل، وتعمل على تتمين موادها الأولية، وتقتصر عليها، ولا تتمن مواد أولية لا تنتجها، نظرا للإستراتيجية الغذائية والتجارية، وإذا رجعنا إلى العلوم، نجد أن الخمر يأتي كذلك من التمر، وليست هناك تمار أخرى تعطي هذه الدرجة من الكحول، لأن التفاح يعطي 6 درجات والشعير يعطي 6 درجات وتصنف هذه المشروبات مع الجعة.
وسنرى فيما بعد مستوى السكريات بهذه الثمار، لنقف عند الإعجاز العلمي في الميدان الغذائي، خصوصا في ميدان الصناعات الحية أو Biotechnology . وهذه الثمار من عنب وثمور النخيل، توجد بها كل العناصر المؤدية إلى الخمر، لكن لا يمكن أن تعطي خمرا، إلا إذا تدخل الإنسان، ولذلك جاء التعبير في الآية ب " تتخذون" وهو العامل الثاني الذي سنتطرق إليه.
العامل الثاني
تحمل الثمار المذكورة عناصر التخمر ومنها الخمائر، ولما تعصر حبوب العنب أو تعجن حبوب التمر وترشح بالماء، ثم تملأ في أواني وتترك للتخمر، تأخذ الخمائر السكريات، فتحولها إلى كحول، ويجب أن يتم ذلك تحت شروط معينة لا يمكن أن تقع في هذه الثمار، إذ لم تعصر وتوضع في أواني لتتخمر .
نعلم في ميدان صناعة الخمور، أن التخمرالكحولي يقع بسبب الخمائر Yeasts)) الموجودة طبيعيا على ثمار العنب وتمر النخيل، وكل الخمائر تنتج الكحول نظرا لطبيعة التخمر، أو الطريقة التي تستعملها لاستهلاك السكر في غياب الأوكسايجن، وتتبع الخمائر طريقة إتنر دودوروف Etner Dudoroff))، والقاضي باستقلاب سكر العنب أو الكليكوز إلى الأسيطالدهايد (Acetaldehyde)، ثم يؤكسد هذا الأخير إلى الإتانول، أو الكحول الإتيلي، وكل الخمائر تنهج وتتبع هذا المسار (Pathway) ، على العكس من البكتيريا التي تتبع طريقة أو مسار الكليكوليز، التي تستقلب سكر العنب إلى حمض البوريفيك، والذي يؤكسد بدوره إلى حمض اللاكتيك، وهو المسار الذي تسلكه الباكتيريا اللبنية مثلا. وتمتاز الخمائر بخاصية تحويل سكر العنب إلى كحول، ولابد من وجود هذه الخمائر في الوسط، إذ بدونها لا يمكن أن يتخمر العصير.
ونتكلم عن الخمائر لأن طريقة إنتاج الخمور تغيرت كما تغيرت كل التقنيات في ميدان صناعة الأغذية، وهو أمر كذلك ضيع الكثير فيما يخص جودة المنتوجات الغذائية، فالتخمر يقع تحت تأثير سلالات عدة من الخمائر وليست سلالة واحدة، وإنتاج الخمر يتم الآن عبر الزرع المراقب، وهو إضافة خميرة الساكرومايسسSaccharomyces إلى العصير لتسريع التخمر. فيكون المنتوج في أقل وقت، لكن بجودة منخفضة، وكل التخمرات التي تتم حاليا عن طريق الزرع هي تخمرات تنهج السرعة وليست الجودة تماما كما هو الشأن بالنسبة للمواد اللبنية واللحمية وما إلى ذلك. وليس هناك أي تحول إلا تخمر سكر العنب ليعطي الكحول وتبقى المكونات الأخرى دون أي تغيير.
تتوزع طريقة استهلاك السكر حسب تركيزه في الوسط إلى مسارين. المسار الأول ويسمى مسار التخمر والثاني يسمى مسار النمو. ويطلق عليها كذلك تأثير باستور، ويسمى الأول بالمسار اللاهوائي والثاني بالمسار الهوائي. ونجد أن تركيز السكر في حالة التخمر، يجب أن يكون ثلاث أضعاف بالمقارنة مع التركيز الذي يتطلبه أسلوب النمو، وهناك كذلك عامل الهواء أو الأوكسايجن، وإلا فلا يمكن أن يتم إنتاج الكحول.
فأما إذا كان تركيز السكر خفيفا والوسط مهوى، وعامل التهوية يعتبر ضروريا، فهناك يقع النمو، من حيث تتكاثر الخلايا لتعطي الكتلة الحية Biomass))، وهو الأسلوب المتبع في إنتاج خميرة الخبز باستعمال المولايص.
وإما أن يكون التركيز مرتفعا، والوسط غير مهوى وهو الأسلوب الثابت، فعندئذ لا يمكن للخمائر أن تنمو، وإنما تبقى ثابتة، وتحول سكر العنب إلى كحول، وهو الأسلوب المستعمل في إنتاج الكحول والخمور. وتعد الخمائر من الجراثيم المحبة للوسط الحامضي، ويجب أن يكون الرقم الهايدروجيني ما بين 3 و 3.5 وهو الرقم الهايدروجيني الموجود طبيعيا في عصير العنب والتمر.
العامل الثالث: تركيز السكريات
هناك مستويات لتركيز السكر بالوسط، لتوجيه الأسلوب، إما إلى إنتاج الخميرة أو إنتاج الكحول، ففي هذه الحالة الأخيرة يجب أن يكون التركيز، ما فوق 15-30 غرام من الكليكوز أو سكر العنب في اللتر من العصير، وهو المستوى الموجود في عصير العنب، وكذلك في عصير التمر، وعند هذا الحد فإن الخمائر تستقلب سكر العنب إلى كحول، لأن الخمر يصنع تبعا للأسلوب الثابت، أي بدون تهوية أو تحريك، وهي العمليات التكنولوجية التي تراقب أثناء الإنتاج، والمهندسون في الصناعات الغذائية يعلمون مدى أهمية هذه العوامل. يملأ العصير في خزانات عميقة ولا يهوى، ولا يغلق بإحكام لأن التخمر الكحولي يعطي غاز ثاني أوكسايد الكربون، ويعمل هذا الغاز، بالإضافة إلى الكحول وحموضة الوسط على إزالة الجراثيم الضارة من الوسط، وحيث يسوى هذا الشراب، أي عند بلوغ درجة يصبح مسكرا وهي 12 درجة كحولية يكون قد أخلي من الجراثيم الضارة.
العامل الرابع: التكنولوجيا
رأينا أن العنب والتمر يحملان عاملي التخمر، وهما السكريات والخمائر، لكن التخمر لا يمكن أن يأخذ مساره (Fermentation course) إلا إذا تم العامل التكنولوجي، والذي بموجبه يوجه التخمر بضبط العوامل المتعلقة بالوسط. ونلخص تكنولوجيا صناعة الخمر في المراحل التالية.
المرحلة الأولى
تهيئ العصير ووضعه في أواني، وهي المرحلة التي يتم فيها، ضبط تركيز السكر والخمائر والرقم الهايدروجيني وتفادي كل تهوية، كما يجب عدم غلق الأواني التي يملأ فيها العصير، ولولا هذه المرحلة التي تعتبر حاسمة ما كان العنب ولا الثمر أن يتحول إلى خمر، ولذلك يشير العلي بضمير المخطاب وهو الإنسان "تتخذون منه سكرا " وهو العامل التكنولوجي.
لما يعصر العنب ترمى كل البقايا الصلبة، التي تفصل عن العصير السائل، وقد يرشح العصير ثم يملأ في أواني (براميل) عميقة، ويترك تحت الحرارة العادية. وعصير العنب يكون فيه تركيز السكر ما بين 15 و 60 % وهو التركيز الذي يفضي إلى التخمر، لأنه تركيز مرتفع، وهو نفس التركيز الذي يكون في التمر، إذ يعجن بالماء ثم يرشح لإزالة الألياف الخشبية، ويكون الرقم الهايدروجيني طبيعيا حوالي 3 و3.5 وهو المستوى الذي تحتاجه الخمائر، لتحول سكر العنب إلى كحول، والحرارة المثلى لنمو الخمائر هي 30 درجة، وتقترب الحرارة البيئية في جل البلدان الجافة من هذا المستوى، كما أن هناك بعض المناطق التي تكون فيها الحرارة مرتفعة وتصل إلى 40 درجة، وتنتقى بعض السلالات من الخمائر المحبة للحرارة، حيث يقع التخمر تحت 40 درجة، ويكون سريعا وبدرجة كحولية عالية، بينما يستغرق التخمر في البلدان الباردة وقتا طويلا، ولا يصل إلى درجة كحولية مرتفعة.
المرحلة الثانية: مرحلة التخمر
لم يكن يعرف صناع أو منتجي الخمور إضافة خمائر إلى العصير، بل كان كل من العنب والتمر يحمل خمائر بمستويات مرتفعة، حيث يقع التخمر طبيعيا، يكفي عصر العنب وملأ الأواني، أما في الوقت الحاضر فتضاف خمائر من نوع Saccharomyces carlbengensis لتسريع عملية التخمر التي تكلف المنتجين مصاريف باهضة، لأن التخمر إذ يستغرق وقتا طويلا يكون بتكلفة ضخمة، ولذلك يلجأ الصناع إلى طريقة الزرع وهي إضافة خمائر إلى العصير. وهذا التدخل في التخمر ليس صائبا لأن التخمر الذي يتم بعدة سلالات طبيعية ليس هو التخمر الذي يتم بواسطة سلالة واحدة.
التخمر الكحولي
توضع الأواني في موضع مخصص لذلك، وكانت توضع قديما في قبو، حيث تفرغ في أواني أخرى لإزالة ما يترسب من المواد العالقة، وهي العملية التي تجعل الخمر يصفى. وتقاس درجة الكحول بالتقنيات المخبرية الحديثة، أما قديما فكانت طريقة التذوق هي السائدة لمعرفة الخمر هل تمت تسويته أم لازال في طور التصفية والتخمر.
المرحلة الثالثة:
وهي المرحلة الأخيرة، إفراغ الأواني وبيع الخمور، أو تعبئتها في زجاجات أو قنينات. وقد أصبح يبستر قبل التعليب لتفادي انبعاث الغاز من الخمائر المتبقية فيه.
والخمر هو كل شراب مصنوع من عصير العنب بالتخمر الطبيعي الإحيائي، وتبلغ درجة الكحول فيه 12 درجة كحولية. ويقتصر هذا التعريف على العنب، لأن الدول الغربية، وهي الدول التي تضع القوانين الغذائية، لا يوجد فيها نخيل. والقرآن هو الكتاب الوحيد، الذي ينفرد في تعريف الخمر من العنب والتمر. وإذا فحصنا التركيب الكيماوي لعصير التمر، والعنب معا، نجد أن تركيز السكر بهما يتقارب كثيرا، ونجد كذلك أن الخمر المصنع من العنب والتمر يصل إلى 12 درجة على حد سواء، بينما يصل خمر الشعير أو الجعة إلى 6 درجات، وخمر التفاح إلى 5 – 6 درجات كذلك، ونتتبع المعنى القرآني، لنجد أن التعبير جاء بالسكر، وليس بالخمر في هذه الآية. فالخمر كلمة عامة، تطلق على كل ما يتخمر ويعطي شرابا فيه كحول، والتخمر يعني باللغة اللاتينية الغليان، وهو نفس المعنى الذي نجده في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ولا ندري كيف جاء هذا التفسير بالغليان في الجامع، وهو أمر غريب جدا، لأن الاشتقاق باللغة اللاتينية يعطي الأصل لكلمة Fermentation وهو Ferver بمعنى غلى، وسمي كذلك لأن الوسط لما يأخذ في التخمر يتحرك ويظهر وكأنه يغلي، ومن هنا أتت كلمة تخمر أو Fermentation، أما باللغة العربية فهو أمر لا يؤول إلى الاشتقاق، أما السكر فيعني الخمر الشديد الذي يعرف بالسكر، فلو جاء التعبير بالخمر في هذه الآية، لكان المنتوج أي خمر بدرجة كحولية دون الثانية عشرة، وهو ما قد يفقد للحقيقة العلمية القرآنية معناها، ولن يكون هناك إعجاز لأن الخمر مصطلح عام، يشمل كل شراب فيه كحول هنا تستوي كل الأشربة الكحولية الجعة والنبيذ والخمر، أما السكر فلم يصفه الله سبحانه وتعالى كيماويا بالحالة التي تسفر عن إنتاجه وهي التخمر، وإنما جاء التعبير بالحالة التي يؤدي إليها الخمر وهي السكر، أو بطريقة أدق جاء المعنى ليخص تركيز الكحول، وهو المركب الكيماوي المسبب للسكر، وهو تعبير علمي يفوق بكثير الكيمياء، من حيث يذهب إلى التفاعل داخل الجسم، أو تأثير الكحول على خلايا المخ، وهو الحادث الذي يبين الوجه العلمي للتعبير القرآني، فجمع الله سبحانه وتعالى، عدة كتب في هذه الآية بطريقة بسيطة. وهذه الكتب في صناعة الخمر من العنب والتمر ((Oeunology، وخصائص الكحول الفازيولوجية داخل الجسم.
وجاء في الآية اقتران الخمر بالرزق الحسن، وهو الوجه الاقتصادي الذي من أجله تستعمل الأساليب التكنولوجية كما يعلم أصحاب الميدان، ونرى أن هذا الوجه لا يخص صناعة الخمور. وإنما يشمل كل الصناعات الغذائية التي تستعمل التخمر، وقد تطرق العديد من العلماء إلى تفسير هذه الآية، لكن لا يمكن أن نفسرها بدون موضوعها الذي يخص الأساليب الغذائية، وكما أشرنا إلى ذلك، فالآية ليست بصدد الشرع، وإنما تتناول موضوعا علميا محضا، ليس من السهل التطرق إليه بدون اختصاص.
في كل الصناعات الغذائية نجد هذا الوجه الاقتصادي، الذي يبرر ويحفز استعمال الأساليب المتقدمة، ومن جملة هذه الأساليب التخمر إما الطبيعي أو المراقب. والتخمر يعتبر من التقنيات السهلة التي تمكن من تحويل مواد خامة بدون قيمة إلى مواد جديدة بقيمة كبيرة (Valorization). وبذلك يكون الرزق الحسن الذي جاء في الآية، لا يعني الرزق الطيب أو الحلال، كما قد يتصور بعض الناس وإنما الرزق الكثير فقط، ولا يمكن أن يفسر على غير هذا النحو، بدون هندسة الصناعات الغذائية، لأن الرزق الحسن في هذا الميدان، لا يعدو أن يكون أكثر من الربح الكثير، نظرا لتثمين المواد الخامة. فتحويل الحليب إلى جبن فيه ربح كثير، وتحويل اللحم إلى سجق جاف فيه ربح كثير، وتحويل مولايص السكر إلى كحول أو خميرة فيه ربح كثير، ويمكن أن يستشعر المرء هذا التثمين (Valorization) للمواد الخامة عبر الأساليب الأحيائية التي تلجأ إلى التخمر. وهو ما يجعل هذه الصناعات تكون مربحة جدا.
وعلاوة على هذه الطروحات، فإن الخمر لا يصنع من العنب الطري ذو الجودة العالية، وإنما يصنع مما تبقى من العنب، الذي لا يصلح للاستهلاك، وهو تثمين أحسن (Valorization) أو رزق أحسن لأن هذه المادة بعدما كان الإنسان سيرميها، تتحول إلى مادة أخرى (خمر) بقيمة تفوق قيمة العنب أضعافا مضاعفة.
هكذا يقرن الله الخمر والميسر بالنفقة في آية واحدة، لأن هناك علاقة بينهما، وجاء الجانب المادي لكي لا يستشهد به بعض المضللين، فيقال لماذا لا نصنع الخمر ونبيعه، ثم نستعمل ثمنه لشراء أشياء أخرى، وهذه الطروحات أخذت تظهر إلى الوجود من قبل اللذين يجهلون تمام الجهل كلمة 'إسلام'.
الإعجاز في الجانب النفسي لتحريم الخمر
لا شك أن الإدمان يعتبر من أخطر الأمراض النفسية، ولذلك سنرى أن الخمر سيقترن بالميسر ولو أن هذا الأخير ليست له آفات أو أمراض عضوية، والإصابة بالإدمان ترتبط بالعقل وهو مرض فقدان الشخصية والحزم وضعف الشخصية لا يكون عضويا بل نفسيا ولذبك بدأ القرآن بالعلاج النفسي. فبعدما جاء وصف صناعة الخمور وصفا علميا محضا دون التطرق للشرع ولا إلى أي نصيحة أو إشارة، لأن الوصف العلمي يرتكز على الحقيقة المادية الملموسة. وبعدما بدأت الشخصية المسلمة تتقوى بدأ العلاج عبر علم النفس، وكانت الآية التي جاءت بخصوص طرح مشكل الإدمان، ما جاء في سورة البقرة لقوله تبارك وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ